النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧١٠

710

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

والسؤال المطروح الآن، هل المدن الإسلامية لم يكن يشملها التخطيط من قبل السلطة؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى بيان طبيعة المدينة وأسلوب التعامل معها. فالمدن القديمة التي دخلها المسلمون فاتحين تركوها على حالها وأحدثوا فيها ما يحتاجه الإسلام من بنايات كالمساجد، وتعاملهم مع بناياتها القديمة جاء وفقاً لأحكام الشرع، التي قسمت البنايات إلى: البناء الواجب: مثل بناء دور العبادة كالمساجد لتقام فيها الصلوات، وبناء الحصون والأسوار والأربطة للدفاع عن ديار المسلمين.

البناء المندوب كبناء المنارات، والتي تندب للأذان فيها؛ لكي يسرع الناس لأداء الصلاة، وبناء الأسواق، حيث يحتاج الناس إلى السلع؛ لكي لا يتكلفوا عناء البحث عنها، فندب الشرع لذلك في بناء الأسواق؛ لكي يستقر بها أصحاب السلع، ويسهلوا للناس شراءها

منهم.

البناء المباح: مثل بناء المساكن؛ لهدف الاستقلال، فمن المعروف أن الشريعة جاءت لحفظ المقاصد الخمس الدين والنفس، والمال والعرض والنسل. والله جعل أسباباً مادية يقوم بها البشر؛ كي يحققوا تلك المقاصد، ومن هذه الأسباب بناء المساكن والدور ليحفظ الناس فيها أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وتقوم فيها الأسر فيبقى النسل الإنساني ملتزماً بدينه مقوماً مجتمعه).

البناء المحظور: كبناء دور المنكر كالحانات، ودور البغاء والقمار والبناء على المقابر، والبناء في أرض الغير وهذا النوع من الأبنية هو الذي أزاله المسلمون في المدن القديمة. أما المدن الجديدة فسبق أن تعرضنا للفسطاط كنموذج منها، ونرى فيها مخططاً عاماً تحدده السلطة، يقف عند حدود الخطة أو الحي أو الحارة، ولكن فيه طرق تكفي احتياج المسلمين طبقاً لظروف عصر التخطيط ولوسائل المواصلات التي كانت مستخدمة آنذاك، فها هو أبو يعلى الفراء يحدثنا عن تخطيط البصرة فيذكر: وقد مصرت الصحابة البصرة على عهد عمر، وجعلوها خططاً لقبائل أهلها، فجعلوا عرض شارعها الأعظم وهو مربدها ستين ذراعاً، وجعلوا عرض ما سواه من الشوارع عشرين ذراعاً، وجعلوا عرض كل زقاق سبع أذرع، وجعلوا وسط كل خطة رحبة فسيحة لمربط خيلهم وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل، ولم يفعلوا ذلك إلا عن رأي اتفقوا عليه أو نص لا يجوز خلافه» (2).

(1) إبراهيم بن يوسف الفائز البناء وأحكامه في الفقه الإسلامي، رسالة دكتوراه، معهد القضاء العالي جامعة الامام محمد بن

سعود،

1985، ص

158.85

(2) أبو يعلى، محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، الأحكام السلطانية، دار الفكر القاهرة، 1974، ص 213.