النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧١١المفهوم الإسلامي للبناء والعمران
د. خالد محمد عزب
711
ولكن يبقى هناك استفهام حول كيفية نمو المدن أو الأحياء أو الخطط، نمواً عضوياً منظماً من دون تدخل من السلطات، وفي إطار قانون حاكم ملزم لكل أفراد المجتمع، وله سطوته عليهم يعرفونه ويطبقونه بوازع من أنفسهم؛ لأنه شرع مستقى من الأحكام الكلية للفقه الإسلامي؟ إن احترام الدين وما يتضمنه من قيم وتشبع المجتمع به هو الدافع إلى ما سبق ذكره، وإلى ظهور فقه العمارة الإسلامية، هذا الفقه الذي صاغ البيئة الحضرية الإسلامية وفق صياغة كانت غير مسبوقة، فمنها نستطيع أن نقرأ الشوارع وواجهات المباني، ونحلل علاقات المباني المتجاورة، ونستقرأ التركيب الداخلي لكل مبنى.
اعتمد فقهاء المسلمين في تناولهم لأحكام البنيان على آية في القرآن الكريم، وعلى حديث نبوي شريف. أما الآية ففي قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ)
[الأعراف: 199].
ويفسرون العرف في هذه الآية بالنسبة لأحكام البنيان بما جرى عليه الناس، وارتضوه، ولم يعترضوا عليه، طالما لا يتعارض ذلك مع القرآن الكريم، أو الحديث النبوي الشريف؛ لأنَّ العرف والعادة أصل إليه في التنازع إذا لم يكن ثم أصل يرجع إليه. يرجع
والعرف في اللغة ضد النكر. وفي الاصطلاح: العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول). وهو عبارة عما يتعارفه الناس بينهم.
يعتبر العرف من أهم أولية التشريع التي يلجأ إليها المجتهدون في إجراء الفقه على الواقع في كثير من المجالات كالأحوال الشخصية، وأبواب المعاملات وغيرها، ويتتبع مباحثهم في العمران وجدناهم معتمدين على هذه القاعدة أشد الاعتماد ولا سيما في سد النزاع بين المتخاصمين على حقوق الارتفاق حيث ورد في بعض الكتب الفقهية: «وإذا تنازعا جداراً بين دارين حكم به لمن يشهد له العرف بأن له فيه من التصرف ما يفعله الملاك في أملاكهم من الرباط ومعاقد القمط (2) ووجوه الآجر واللبن وما أشبه ذلك» (3).
إن العرف يحتمل ثلاثة معان بالنسبة للبيئة العمرانية:
الأول: هو ما يقصده الفقهاء في استنباط الأحكام في ما ليس فيه نص من المسائل العامة التي قد تؤثر في البيئة العمرانية كعادة أهل بلدة ما، فهذا أصل أخذ به بعض الفقهاء في المواضع
(1) محمد عرفه الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج 3، تحقيق: محمد عليش دار الفكر، بيروت، ص 376. (2) الخشب التي تجعل في أركان الحيطان لتشدها. ابن جزي الغرناطي القوانين الفقهية، ج 1، ص 223.
(3) البغدادي، القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر (ت: 362 هـ): التلقين، ج 2، تحقيق: محمد ثالث سعيد الغاني، المكتبة
التجارية، ط 1، 1415 هـ، مكة المكرمة، ص 433.