النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧١٤

714

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وفي بعض الحالات يكون العكس صحيحاً حيث لا يجوز استعمال الملكية العامة للإضرار بالملكية الخاصة، وهي بذلك تقييد للقاعدة التي تنص على أنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام).

يمكن تقسيم الضرر إلى نوعين ضرر جوار، وضرر عام، فالضرر المتعلق بالجوار يتمثل في ضرر التكشف والاطلاع وإحداث ما يخشى الحظر منه، مثل الحائط المائل والأنشطة الاقتصادية التي تقوم على استعمال النار والمتفجرات كالبارود، وكذلك الإزعاج الناجم عن الأصوات وتقليل الإضاءة والهواء في بعض الأقوال.

يضيف لنا ابن الرامي تقسيما آخر للضرر قديم ومحدث، فالقديم ينقسم إلى قسمين: منه ما يكون قبل التأذي. ومنه ما يكون بعده، فما كان من الضرر الذي يكون قبل التأذي فلا يغير عن حاله وإن أضر بجيرانه؛ لأنَّه ضرر دخل عليه. وما كان من الضرر الذي يكون بعد التأذي فمنه ما يستحق المنع ومنه ما لا يستحق وإن طال زمانه كدخان الحمامات والأفران وغبار الأندر ونتن دباغ الدباغين، أما الضرر المحدث فإزالته حسب حالته ويستطرد في كتابه شارحاً ذلك (3). وهذه الحركة تؤدى إلى الوجود المستقل، ولتوضيح تأثير هذه القاعدة على حركة العمران

نفسه

نضرب مثلاً بالضرر الناجم عن فتح نافذة (كوة) وتأثيرها على العلاقة بين جارين: عند تطبيق مبدأ «إحياء الأرض» فإن الناس يتتابعون في البنيان فإذا أحدث أحدهم كوة تشرف على أرض فضاء ثم أتى آخر، وبنى تلك الأرض فأصبحت الكوة تكشف الدار المحدثة، فقد اتفق الفقهاء على أن لهذه الكوة حق البقاء والاستمرار وعلى مالك الدار المحدثة أن يقي من ضرر تلك الكوة، كأن يرفع سور داره، ففي المدونة الكبرى: أرأيت إن كانت له على جاره كوة قديمة، أو باب قديم ليس فيه منفعة، وفيه مضرة على جاره، أيجبره أن يغلق ذلك عن جاره؟ قال: يجبره على ذلك؛ لأنه أمر لم يحدثه عليه» (4). أما بالنسبة للكوة المحدثة التي تضر الجيران، فإن أغلب الآراء تنص على إزالة الضرر بسد

لا

عابدين (488/ 5) مصطفى أحمد بن حموش، فقه العمران الإسلامي من خلال الأرشيف العثماني الجزائري، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، 2000، ص 81، 82. (1) قيل للإمام سحنون … فالمسجد يجعل فيه المنار فإذا صعد المؤذن فيه عاين ما في الدور ( .. ) قال: يمنع من الصعود فيها؛ لأن هذا من الضرر، وتعود هذه المسألة إلى قاعدة الموازنة بين المصالح في ظل المقاصد الشرعية». د. مصطفى حموش فقه العمران الإسلامي، ص 82.

(2) يقسم ابن جزي كذلك الضرر إلى قسمين: متفق عليه ومختلف فيه، أما المختلف فيه فمثل أن يعلّي بنياناً يمنع جاره الضوء والشمس، فالمشهور أنه لا يمنع منه وقيل يمنع. د. مصطفى حموش، فقه العمران الإسلامي، ص 82.

(3) ابن الرامي، الإعلان بأحكام البنيان، ص 58.

(4) عبد القادر أكبر، المرجع السابق، ص 210.