النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧١٥

المفهوم الإسلامي للبناء والعمران

د. خالد محمد عزب

715

الكوة، إذا احتج الفريق المتضرر، فقد سأل الإمام سحنون الإمام ابن القاسم: «أرأيت الرجل يريد أن يفتح في جداره، كوة، أو باباً، يشرف منهما على جاره، فيضر ذلك بجاره، والذي فتح إنما فتح في حائط نفسه، أيمنع من ذلك في قول مالك؟. قال: بلغني عن مالك أنه قال: ليس له أن يحدث على جاره ما يضره، وإن كان الذي يحدث في ملكه».

ومن الحالات التي قيس عليها في أحكام البنيان لتحديد الضرر، ما أمر به عمر بن الخطاب الا الله فقد كتب ابن لهيعة إلى عمر في رجل أحدث غرفة على جاره، ففتح فيها كوة، فكتب إليه عمر: «أن يوضع وراء تلك الكوة سرير يقوم عليه رجل، فإن كان ينظر إلى ما في الدار منع من ذلك، وإن كان لا ينظر لم يمنع» (2).

وسجلت سجلات محكمة الباب العالي بالقاهرة واقعة تحاكي الواقعة السابقة، فقد تقدم كل من الأمير محمد جاويش، والأمير أحمد جاويش، وتابعه الزيني حسن بن عبد الله، والحاج حسين بن محمد مستحفظان، بشكوى للقاضي بمحكمة الباب العالي ضد الدرويش أحمد بن عبد الله الروحي، مؤداها أن الدرويش يسكن بزاوية الحلوية المواجهة لسكن الزيني حسن، والحاج حسين، وهما متضرران من وجوده، واستدعى القاضي الدرويش فذكر أنه يقوم بالفراشة، والأذان، وخدمة الزاوية، بموجب أمر شرعي، وأنه لم يحصل منه ضرر لأي جار، وطلب الشاكون التحقق من الشكوى بسؤال أهل المحلة، فتوجه مندوبو القاضي، وتبين لهم صدق الدرويش، وأنه لا ضرر من وجوده بالزاوية على سكن المذكورين، وأثبت القاضي ذلك في سجلات المحكمة؛ ليتم الرجوع إليه عند الحاجة، حيث إنه أمر ببقاء الدرويش بالزاوية، وسجلت هذه الواقعة في 17 ذي القعدة سنة 1077 هـ/1666 م (3).

وهذه الواقعة نرى فيها تطبيقاً للقاعدة التي قررها عمر بن الخطاب، وهي الكشف عن الضرر، وهذا ما طبقه القاضي، وقرر الحكم بناء على هذا الكشف. وتلفت الواقعة السابقة انتباهنا إلى أن فقه العمارة الإسلامية لم يقتصر على ضرر الكشف فحسب ـ أي كشف حرمة الجار - بل امتد أيضاً إلى نوعية السكان وسلوكهم، وهو ما يحفظ المجتمع المحيط بالساكن، وهذا أمر أغفلته القوانين المنظمة للبيئة العمرانية المعاصرة، وسجلت سجلات محكمة الباب العالي بالقاهرة واقعة تكشف عن مراعاة الفقه لنوعية السكان من خلال قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وتفصيل هذه الواقعة كما يلي:

(1) عبد القادر أكبر، المرجع السابق، ص 481.

(2) ابن الرامي، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللخمي: الإعلان بأحكام البنيان مخطوطة منشورة في مجلة الفقه المالكي، وزارة العدل، المغرب، الأعداد،2،3،4 ذي القعدة 1402 هـ، ص 308.

(3) سجلات محكمة الباب العالي، ص 144، ص 159، مادة 548.