النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧١٩

المفهوم الإسلامي للبناء والعمران

د. خالد محمد عزب

719

ترتب على مبدئي لا ضرر ولا ضرار»، و «الأخذ بالعرف» في تقرير أحكام البناء، نشوء مبدأ حيازة الضرر»، الذي صاغ المدينة الإسلامية صياغة شاملة، وحيازة الضرر» تعني: أن من سبق في البناء يحوز العديد من المزايا التي يجب على جاره الذي يأتي بعده أن يحترمها، وأن يأخذها في اعتباره عند بنائه مسكنه، وبذلك يصيغ المنزل الأسبق المنزل اللاحق من الناحية المعمارية نتيجة لحيازته الضرر، وبذلك يسيطر العقار (1) الأسبق على حقوق عديدة يحترمها الآخرون عند بنائهم، فضلاً على الحقوق التي قررها الشرع الشريف في مجال التنظيم العمراني، وكلاهما مما أدى إلى وجود بيئة عمرانية مستقرة، فرأينا شوارع مدينتي القاهرة، ورشيد، استقرت بعد فترة زمنية معينة حيث استقرت الفئة المستخدمة على شكل الشوارع التي تستخدمها، والتي يصعب التعدي عليها بالبناء، ولتوضيح كيفية نشأة خطط وشوارع المدينتين، ينبغي أن نذكر أن الطريق ملك لجماعة المسلمين، وبالتالي فالسيطرة عليه من حق المارة أو المستخدمين له، فشريعتنا جعلت إماطة الأذى عن الطريق صدقة، واعتبرته من أدنى مراتب الإيمان، فضلاً على إزالة، أو منع من حاول البناء في الطريق؟ وحيث إن المارة هم المستخدمون، فالطريق يقع تحت سيطرتهم؛ ولأن كل ساكن في المدينة يمر ببعض الطرق أكثر من غيرها، فهو بذلك عضو في الفريق المسيطر على كل الشوارع التي يمر بها؛ لذلك فإن عدد المسيطرين اختلف من طريق لآخر؛ لاختلاف عدد مرات ترددهم عليه، بناء على موقع الطريق واتجاهه.

(2)

فالفريق الذي يمر بالقصبة التي تخترق المدينة من شمالها لجنوبها في رشيد، والتي يعرف جزء منها بمحجة السوق، وجزء آخر بالشارع الأعظم، لا بد أن يختلف عن الفريق الذي يمر بطريق فرعي كعطفة المسك بالقاهرة المتفرعة من قصبة رضوان.

وإذا نشأت مدينة جديدة، أو حي جديد فإن البناء فيها يتم عن طريق تتابع البناء في أماكن هذا الحي، فإذا كثر عدد المارة في مكان ما، فإن هذا الطريق سيكون أكثر سعة، وسيمنع المارة فيه بناء على حق الارتفاق وحق المرور أي بناء يضيّق الطريق، وبذلك يزحف البناء، وتتجاور الوحدات المعمارية بجوار بعضها بعضاً، إلى أن تستقر حدود الطرق تبعاً لاستخدام المارة لها، فالطريق يعكس رغبات الناس وإمكاناتهم وقيمهم، فالطريق نتج عن تراكم قرارات الفرق الساكنة، وهذه القرارات بنيت على الأسبقية في التصرف كما رأينا؛ فمن فتح حانوتاً قبل جاره المقابل فقد

221

(1) استخدمت كلمة «عقار» بدلًا من الساكن أو المالك؛ لأن حيازة الضرر حق للعقار حتى إذا انتقلت ملكيته لآخرين، أو سكنه آخرون، وهذا ما يؤكده فقهاء المسلمين من خلال أحكامهم. انظر: مثلاً عبد القادر أكبر، المرجع السابق، ص! (2) الطريق: السبيل، يذكر ويؤنث، والجمع طرق، وجمعه طرقات وأطرقة، يقال استطرقت إلى الباب: سلكت طريقاً إليه، والاستطراق: أن يستطرق نصيب الآخر، أي يتخذه طريقاً وهو الممر: موضع المرور، وعرف بعض الفقهاء المحدثين حق المرور، «هو حق مرور الإنسان إلى ملكه من طريق عام، أو من طريق خاص في ملك غيره، علي الخفيف، مختصر أحكام المعاملات الشرعية القاهرة، السنة المحمدية 1371 هـ، ص 23.