النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٢٠

720

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

حاز الضرر، وبهذا فإن العلاقة بين الفرق الساكنة ترتبت واستقرت بحيازة الضرر، وكان الطريق وعاء لذلك الاستقرار.

وبذلك نستطيع أن نقدم تفسيراً واضحاً عن كيفية نشأة شبكة الطرق في أحياء المدن الإسلامية، من دون تخطيط مسبق من الدولة، فقد أملت حاجة السكان تشكيل هذه الشبكة في بعض الأحياء بالقاهرة: كالحسينية، وبولاق، والأزبكية). (اللوحتان: 1 - 2).

بل إن مدينة رشيد، وهي مدينة نشأت من دون تخطيط مسبق من سلطة مركزية، ذات شبكة من الشوارع تعكس مدى ما كانت عليها من تنظيم جيد: فالشارع الأعظم يخترق المدينة من الجنوب إلى الشمال، ويوازيه عدد من الشوارع كشارع الصاغة، والشيخ قنديل، ويخترقه شارع دهليز الملك الذي يربط شرق المدينة بغربها، بل إن امتداد المدينة في اتجاه الشرق والغرب، والشمال خلال الفترة من القرن (10 هـ / 16 م) إلى القرن (13 هـ/ 19 م) تعكس طريقة تكوّن شبكات الطرق بالمدينة طبقاً لما سبق ذكره، وهو ما توضحه الخرائط. وما زالت شبكة الشوارع هذه على حالها يستخدمها إلى اليوم سكان المدينة مع بعض التغييرات الطفيفة، وهو ما يعني أنها قد لبت متطلبات السكان. لكن هناك حديث نبوي حدد عرض الطريق. فقد روي ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن ربيعة بن عبد الرحمن وزيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف الناس في الطريق فحدها سبعة أذرع»، وروى ابن وهب حديثاً رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل طريق يسلكها الناس فإنها سبعة أذرع يبني كل قوم على حدهم، ومن بنى على بقيع فهو له، ومن أعمره فهو له، وكل بقيع لم يبن عليه فهو الله وللرسول وليس هو لك» (2).

لم يكن فقهاء المسلمين في تنازلهم لحد سعة الشارع جامدين بل كانت لهم نظرة مرنة في التعامل معه طبقاً لمعطيات العصر والظروف البيئية لكل مدينة. فمن كتاب ابن عبدوس قال ابن كنانة: «فيترك للناس من سعة الأزقة والطريق بقدر ما يمر فيه أوسع وأعظم شيء يمر في أزقتهم، فلا يضر بذلك مثل البعير بأعظم ما يكون من المحامل وبالعجلة، ونحو ذلك مما ينتفع به وليس في ذلك عندنا قدر للانتفاع» (3).

من أبرز الأمثلة على ذلك ما اتبعه الصحابة عند تخطيطهم مدينة البصرة، على عهد عمر بن الخطاب فقد جعلوها خططاً لقبائل أهلها، فجعلوا عرض شارعها الأعظم وهو مريدها ستين ذراعاً،

(1) أندريه ريمون، القاهرة، تاريخ حاضرة، دار فكر للدراسات، القاهرة 1993، ص 116، 198. (2) التطيلي، عيسى بن موسى، القضاء بالمرفق في المباني ونفي الضرر، تحقيق: محمد النمينج، المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو الرباط 1999، ص (170 171. ابن الرامي اللخمي، الإعلان بأحكام البنيان، مركز النشر الجامعي، تونس، 1999، ص 192 – 193.

(3) التطيلي، القضاء بالمرفق في المباني ونفي الضرر، ص 171. ابن الرامي الإعلان بأحكام البنيان، ص 193.