النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٢٢

722

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ذلك مما لا يضر بالمارين حل له الانتفاع به ما لم يتقدم إليه أحد بالرفع والنقض، فإذا تقدم إليه واحد من عرض الناس لا يحل له الانتفاع به بعد ذلك عند أبي حنيفة رحم الله، وعندهما يحل له الانتفاع قبل التقدم وبعده وكذلك هذا الحكم في غرس الأشجار، وبناء الدكاكين، والجلوس للبيع والشراء على قارعة الطريق، ووجه قولهما أن حرمة التصرف في حق الغير ليس لعينه بل للتحرز عن الضرر، ولا إضرار بالمارة، فاستوى فيه حال ما قبل التقدم وبعده، ولأبي حنيفة رحم الله أن إشراع الجناح والميزاب إلى طريق العامة تصرّف في حقهم؛ لأنَّ هواء البقعة في حكم البقعة والبقعة حقهم، فكذا هواؤها فكان الانتفاع بذلك تصرف في حكم الغير والتصرف في حق الغير بغير إذنه حرام سواء أضر به أم لا؛ لأنَّه أحل له الانتفاع بذلك قبل التقدم بوجود الإذن منهم دلالة، وهي ترك التقدم بالنقض في حق الإنسان بإذنه مباح فإذا دفعت المطالبة بصريح النقض بطلت الدلالة فبقي الانتفاع بالمبنى تصرفاً في حق مشترك بين الكل من غير إذنهم ورضاهم فلا يحل». وقال المالكية: من بنى في طريق المسلمين أو أضاف شيئاً من الطريق إلى ملكه منع باتفاق). كذلك قال الشافعية والحنابلة: (يمنع فعل ما يضر بالمارة في الطريق العام، إذا أضر بهم»، يقول الشربيني: ويحرم أن يبنى في الطريق دكة أو يغرس شجرة، وقيل: إن لم يضر (جاز» (3). ونستطيع أن نتوقف بعض الشيء عند ما ذكره الكامي، وهو من متأخري فقهاء الحنفية، حيث يذكر نازلة مفادها: رجل بنى في الطريق الأعظم بناء بغير إذن الإمام فإن كان يضر ذلك بالطريق يكون آثماً في ما صنع، وإن كان لا يضر لا يكون آثماً، إلا أنه لو عثر به إنسان فعطب أو دابة فتلفت كان ضامناً، ويكون لكل واحد من آحاد الناس حق المنع والمطالبة بالرفع» (4).

هذه النازلة إن دلت على شيء فهي تدل على ضعف سلطة الدولة في الفترات التاريخية المتأخرة في السيطرة على البيئة الحضرية، لكن الكامي يذكر لاحقاً حكماً فقهياً إن دل على شيء فإنما يدل على نضج المجتمعات الإسلامية، وإدراكها أهمية الحفاظ على البيئة الحضرية للمدينة، بل زيادة مساهمة هذه المجتمعات فيها، فيذكر: رجل اشترى موضعاً وزاده في طريق المسلمين وجعله طريقاً لهم وأشهد على ذلك صح، ويشترط لذلك مرور واحد من الناس بإذنه على قول من اشترط في الأوقاف وسوى في ذلك بين الطريق والمقبرة وسائر الأوقاف» (5).

(1) الكاساني؛ علاء الدين أبي بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 194، 195، 265. (2) ابن جزي؛ أبو عبد ا الله محمد بن أحمد القوانين الفقهية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1989، ص 333. (3) الشربيني، شمس الدين محمد بن الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج 3، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد المعبود دار الكتب العلمية، بيروت، 1995، ص 172.

(4) القاضي كامي؛ محمد بن أحمد بن إبراهيم الأدرنوي الحنفي أفندي، رياض القاسمين، تحقيق: مصطفى بن حموش، دار البشائر، دمشق، 2000، ص 214. (5) المرجع السابق، ص 214 - 215.