النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٢٩نظرية الزمن والأحكام الفقهية
أ. د. إدريس الفاسي الفهري
729
وقد حضرني في هذا المقام وتبادر إلى ذهني في بداية هذا الكلام صوت سيدي الوالد - رحمة الله عليه وعلى والدينا أجمعين - فإنه كثيراً ما كان ينشد:
يقولون الزمان به فساد وهم فسدوا وما فسد الزمان
وهو يعني في ما يعنيه أن الزمان بتجرده عن الشخص واعتباراته لا يختلف.
ولهذا البيت قصة أبلغ في الدلالة على هذا المعنى قال الشيباني: أتانا يوماً أبو مياس الشاعر، ونحن في جماعة فقال: ما أنتم فيه؟ وما تتذاكرون؟ قلنا نذكر الزمان وفساده، قال: كلا، إنما الزمان وعاء ما ألقي فيه من خير أو شر كان على حاله، ثم أنشأ يقول:
يقولون الزمان به فساد وهم فسدوا وما فسد الزمان (1)
المقدمة الثانية: الحاكم هو الله وعل
لقد ابتدأت بهذه المقدمة من دون سواها؛ لأنها ضرورية وواجبة وثابتة؛ ولأن جميع يجول فيه الذهن أو ينطق به اللسان في هذا الشأن أو في غيره إنما هو لاحق وفضلة وزيادة بالنسبة إليها. فقد عرفنا الله تعالى بجلال قدسه فقال عز من قائل: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70].
ج
ونوه بيقين نبيه صلى الله عليه وسلم وبصيرته به فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57]. كما نوه بتجليات هذا اليقين على توجهات سائر أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين، فقال سبحانه على لسان عبده ونبيه يعقوب عليه السلام: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ} [يوسف: 167
ج
ونبه جميع خلقه إليه وبصرهم به ليتوجهوا بعبادتهم إليه، فقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]، كما نبههم بمثله لئلا يدعوا إلا إياه فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88].
وهو
مبدأ مجمع عليه، قال الشيخ نظام الدين: لا حكم إلا من الله تعالى بإجماع الأمة، لا كما في كتب بعض المشايخ أن هذا عندنا - يعني بذلك الماتريدية) - وعند المعتزلة الحاكم العقل،
(1) التذكرة الحمدونية، ج 2، ص 61.
(2) عبر عن ذلك في الصفحة نفسها التي جاء فيها هذا القول، ونصه: وعندنا معشر الماتريدية والصوفية الكرام من معظم
أهل السنة والجماعة».