النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٣١

نظرية الزمن والأحكام الفقهية

أ. د. إدريس الفاسي الفهري

|

731

فقد كان هو الأساس الذي بنى عليه الإمام الشافعي رسالته التأسيسية في أصول الفقه حيث افتتحها بقوله: «فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها»، ثم أخذ يبين الامتدادات الدلالية لكتاب الله تعالى إلى أن جعل أوسع هذه الامتدادات وأوعبها لما ينزل من النوازل والمستحدثات هو القياس الذي يستوعب المجتهد على أساسه ما لا يتناهى من الحوادث في نصوص الوحي المتناهية.

وكان كذلك هو الأساس الذي بنى عليه الإمام الشاطبي نظريته في مقاصد الشريعة، حيث قال: «لما انبنت الشرعية على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينات، وكانت هذه الوجوه مبثوثة في أبواب الشريعة وأدلتها غير مختصة بمحل دون محل، ولا بباب دون باب، ولا بقاعدة دون قاعدة؛ كان النظر الشرعي فيها أيضاً عاماً لا يختص بجزئية دون أخرى؛ لأنها كليات تقضي على كل جزئي تحتها وسواء علينا أكان جزئياً إضافياً أم حقيقياً؛ إذ ليس فوق هذه الكليات كلي تنتهي إليه، بل هي أصول الشريعة، وقد تمت، فلا يصح أن يفقد بعضها حتى يفتقر إلى إثباتها بقياس أو غيره، فهي الكافية في مصالح الخلق عموماً وخصوصاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. وفي الحديث: «تركتكم على الجادة الحديث. وقوله: «لا يهلك على الله إلا هالك». ونحو ذلك من الأدلة الدالة على تمام الأمر وإيضاح السبيل».

وإذا كان كذلك، وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة، فما تحتها مستمدة من تلك الأصول الكلية، شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلاً في جزئي معرضاً عن كليه، فقد أخطأ وكما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه؛ فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه» (1).

وقد تعرّض كثير من العلماء لهذا المعنى بطرق مختلفة، ولعل هذا القول من الشاطبي أضبطها، وأمكنها في هذا الباب وهو في حكم الإضافة النوعية لما سبق أن قرره الإمام الشافعي

من قبل.

ومن أنظار المحدثين ما قرره الشيخ الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير حيث قال: «فبهذا الأصل: أصل الفطرة كان الإسلام ديناً صالحاً لجميع الأمم في جميع الأعصر، ثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمة له ومهيئة جميع الناس لقوله … »، ثم أتى بتلك المظاهر

(1) الموافقات: 171/ 3 وما بعدها.