النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٣٣

نظرية الزمن والأحكام الفقهية

أ. د. إدريس الفاسي الفهري

733

بأمر الرب تعالى مصلحة وحسناً آخر، فازداد حسناً بالأمر ومحبة الرب وطلبه له إلى حسنه في نفسه. وكذلك المنهي عنه مفسدة وقبيح في نفسه، وازداد بنهي الرب تعالى عنه وبغضه له وكراهيته له قبحاً إلى قبحه» (1).

والخلاف في مسألة التحسين والتقبيح العقليين عن هذا بمعزل قال الغزالي: «ذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة، وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل، كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر المنعم، ومعرفة حسن الصدق، وكقبح الكفران ( … ) ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات وقالوا إنها متميزة بصفة ذاتية عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء، الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه».

ثم بيّن أن موضع النزاع مع الأشاعرة في القسم الأول هو الحسن والقبح الذاتيان، وفي القسم الثاني هو اعتبار الشرع كاشفاً فقط لما يوجد في العقل أصلاً.

وهو

ولا ينبغي أن نهمل موقفاً نظرياً ثالثاً نشأ في حكم الموقف الوسط بين هذين ألا مذهب الماتريدية الذين يثبتون الحسن والقبح العقليين، وموافقة العقل للسمع في ذلك، ولكنهم يميزون بين تحسين العقول وتقبيحها وبين تحسين الطباع، وتقبيحها فإن تحسين الطباع وتقبيحها هو بعينه الهوى المذموم. ولا يقولون من أجل ذلك بضرورة ملازمة حكم الله تعالى لما يدركه العقل من الحسن والقبح فقد يتصور مخالفة حكم الشرع لمدارك العقل (3).

وليس إيراد هذه المسألة خلال هذا العرض من غرضه ولكنها عارض لازم من عوارضه ومقدمة ضرورية من مقدماته مؤداها أن من أحوال الناس ما لا أثر لتغير الزمان في تغييره، ومنها ما يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال.

المقدمة الخامسة: الثابت والمتغير من أحكام الشريعة

حسمت مسألة الثوابت والمتغيرات في الشريعة الإسلامية منذ وقت مبكر من التاريخ الإسلامي، بل لقد حسمت بنص القرآن.

ويبين الإمام الشافعي في كتابه الرسالة ما جاء من ذلك منصوصاً في كتاب الله تعالى بياناً وافياً. ولعلّ كلامه في الموضوع من الشهرة بحيث لا يحتاج إلى تنويه. ولكننـ أورده هنا بنصه

(1) إعلام الموقعين، ج 3، ص 183. (2) المستصفى، 55/ 1.

(3) ينظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي: ص 221 وما بعدها وفواتح الرحموت 25/ 1 وما بعدها. ومباحث الحكم عند

الأصوليين: ص 173 وما بعدها.