النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٣٤734
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
محرم،
لاختصاره ولما يحتاج إليه الأمر من بناء التحليل الآتي عليه وليلاحظ أنه أورد الكلام بصيغة حوارية يتولى فيها الجواب عن مجموعة من الأسئلة الواقعة أو المفترضة ولكنه يعرضها بصورة متدرجة يأتي بها تقريره في غاية المكنة من البيان: «قال: فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورهم، فهل يسعهم ذلك؟ قال: فقلت له: الاختلاف من وجهين: أحدهما ولا أقول ذلك في الآخر. قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً، لم يحل الاختلاف فيه لمن عَلِمَه. وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويُدرك قياساً، فذهب المتأوّل أو القايس إلى معنىً يحتمله الخبرُ أو القياس، وإن خالفه فيه غيره؛ لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص. قال: فهل في هذا حجةً تبين فرقك بين الاختلافين؟ قلت: قال الله في ذم التفرق: {وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ لَهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البيئة: 4]. وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ [آل عمران: 105]. فذم الاختلاف في ما جاءتهم به البينات. فأما ما كُلفوا فيه الاجتهاد فقد مثلته لك بالقبلة والشهادة
وغيرها» (1).
فالمسائلُ المنصوصة البينةُ بالنسبة للمسلمين قاسم مشترك يحدد المعالم العامة لشخصيتهم
بصفتهم مسلمين.
هي
وقد يحلو للبعض أن يفهم من هذا النص أن المعالم الإسلامية المشتركة أمهات العقائد والفرائض والمحرمات فقط، وذلك بناء على أمثلة مثل بها الشافعي في بعض المواضع. وهو فهم قاصر لتعاليم الإسلام، وتقصير واضح في معرفة نصوصه وتعاليمه. والحقيقة أن هنالك منصوصات أخرى لا تقل تأكيداً عن أمهات العقائد والفرائض والمحرمات، يمكن أن نلخصها في أمرين:
أحدهما: المبادئ الفكرية العامة التي تحدد طريق الوصول إلى الأحكام مثل: مراعاة مقاصد الشارع ومقاصد المكلفين والأخذ بمعطيات العقول السليمة، والتجارب الحكيمة المستقيمة ومرا المصالح ودرء المفاسد. ومبدأ تغير الأحكام الشرعية بتغير واقع المكلفين. ولا تزر وازرة وزر
أخرى … وغيرها.
اعاة
وهي قواعد أصولية قطعية لا يجوز فيها الاختلاف بل يحرم كحرمة الاختلاف فيما تقرر من أمهات الفرائض. وذلك أن غالبها منصوص معلوم بالاستقراء القطعي لتصرفات الشارع في ما يحصى كثرة من الوقائع والنوازل
لا
(1) الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ)، تح: أحمد شاكر، ط 2، 1979 م، دار التراث، القاهرة: ص (
الفقرات من 1671 - 1680.
561 - 560