النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٣٥نظرية الزمن والأحكام الفقهية
أ. د. إدريس الفاسي الفهري
735
قال الإمام الشاطبي: «إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي. بيان الأول ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع؛ وبيان الثاني من أوجه:
أحدها: أنها ترجع إما إلى أصول عقلية وهي قطعية، وإما إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة، وذلك قطعي أيضاً. ولا ثالث لهذين إلا المجموع منهما، والمؤلف من القطعيات قطعي، وذلك أصول الفقه.
والثاني: أنها لو كانت ظنية لم تكن راجعة إلى أمر عقلي، إذ الظن لا يقبل في القطعيات. ولا إلى كلي شرعي؛ لأنَّ الظن إنما يتعلّق بالجزئيات. ( … ) وأعني بالكليات هنا الضروريات
والحاجيات والتحسينات.
وثاني الأمور القطعية المنصوصة في الشريعة بالإضافة إلى ما تقدم الأوامر والنواهي العامة المطلقة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله مثل: الأمر بالعدل، والبر والإحسان، والرحمة والمعروف ونحوها والنصرة للمظلوم والمحافظة على وحدة الكلمة والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام ونحوها، والإخلاص والتوكل والصدق ونحوها، والأمر بالنظافة والتنزه عن الخبائث
ونحوها، والنهي عن أضداد ذلك كله من المنكر والبغي والقطيعة والتواكل، والرياء ونحوها. فهذه مما جاءت بها النصوص الإسلامية مؤكدة غاية التوكيد، بل هي مما يحرم الاختلاف فيه، ولكنها جاءت في الشريعة الإسلامية على نوعين، كما قال الإمام الشاطبي: «أحدهما: أن تأتي على العموم والإطلاق في كل شيء، وعلى كل حال، لكن بحسب كل مقام وعلى ما تعطيه شواهد الأحوال في كل موضع، لا على وزانٍ واحدٍ، ولا حكم واحدٍ. ثم وَكَلَ - أي الشارع - ذلك إلى نظر المكلف فيزن بميزان نظره، ويهتدي لما هو اللائق والأحرى في كل تصرف آخذاً ما بين الأدلة الشرعية والمحاسن العادية والثاني: أن تأتي في أقصى مراتبها؛ ولذلك تجد الوعيد مقروناً بها في الغالب، وتجد المأمورَ به منها أوصافاً لمن الله مدح من المؤمنين، والمنهي عنها أوصافاً لمن ذم الله من الكافرين. ويعين ذلك أيضاً أسباب التنزيل لمن استقرأها، فكان القول آتياً بالغايات تنصيصاً عليها، من حيث كان الحال والوقت يقتضي ذلك. ومنبها على ما هو دائر بين الطرفين، حتى يكون العقل ينظر في ما بينهما بحسب ما دله دليل الشرع فيميّز بين المراتب بحسب القرب والبعد من أحد الطرفين، كي لا يسكن إلى حالة مَظِنَّةُ هي الخوف، لقربها من الطرف المذموم؛ أو مَظِنَّةُ الرجاء، لقربها من الطرف المحمود، تربية
حكيم خبير».
(1) الموافقات: 29/ 11 - 30 (2) الموافقات: 135/ 3 - 140.