النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٣٦

736

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المقدمة السادسة التمييز بين الفقه التاريخي والفقه الواقعي

إن الرابط واضح والصلة مستدامة بين الثوابت من شؤون بني آدم في مختلف تقلباتهم المعيشية من أمور خلقتهم وما تستدام به حيواتهم وتُقضى به ضروراتهم الدينية والدنيوية وبين ثوابت الشريعة المنصوصة تفصيلاً وغير المحددة أمراً ونهياً وكلياتها المستقرأة من عموم نصوصها، على ما جرى تفصيله في المقدمات الأربع السابقة.

وإن ما يحتاج إلى توضيح رابطه هو ما ورد في المقدمتين السابقتين من تقلبات المتحوّل من أحوال الناس والاجتهاد المعمل في المتغير من أحكام الشريعة.

ولا يمكن أن يتم ذلك من دون التمييز بين الفقه الواقعي والفقه التاريخي. وهما اعتباران متمايزان بمجرد ارتباطهما الزمني فإن مادة الفقه التاريخي هي كل ما تجاوزه الزمن ومختلف التقلبات والتحولات من الفقه الواقعي ومادة الفقه الواقعي هي الاجتهادات التي يفرضها الزمن بما يستوعبه من تلك التقلبات والتحولات.

وقد واكب الاجتهاد الفقهي المستجدات التي عرضت للمسلمين في مختلف بقاع الأرض بما يناسب الأحوال والعادات والزمان والمكان.

ونحن بحمد الله تعالى نوقر أئمة الفقه عموماً، ونعترف لهم بفضلهم، ونعتز بما تركوا لنا من آثارهم الجليلة، ونباهي الناس جميعاً بما تركوا لنا من أساس فقهي متين، يعد نموذجاً فريداً في التاريخ الإنساني عموماً.

وأحسب أولئك الأئمة الأجلة الكرام لا يرضون لنا أن نقتصر في أحكام الفقه الإسلامي على الاجتهادات التي يعود كثير منها إلى عهود ولّت ظروفها الاجتماعية وتصوراتها الفكرية. وأحسب أننا سنكون أوفق مع منهجهم وسيرتهم، وأكثر اقتداءً بهم؛ إذا اجتهدنا بالنظر إلى ظروفنا، كما اجتهدوا بالنظر إلى ظروفهم. وقد جاء لابن القيم قول واضح في هذا المعنى، حيث قال: «إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه» (1). وأجد أكثر اجتهادات الفقهاء في الشأن الذي اشتغلت بموضوعاته في النماذج التطبيقية التي اشتغلت عليها في الجانب التطبيقي من البحث الذي أعرض على مجمعكم الكريم طرفاً من مقدماته النظرية وهو شأن النزاعات المسلحة الواقعة والمتوقعة منذ ما يزيد على الألف عام.

(1) إعلام الموقعين 205/ 4، وما ذكره ابن القيم من تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال هو من المقاصد الكبرى لتأليفه في إعلام الموقعين، بحيث افتتح بذكره الجزء الثالث من الكتاب، ومضى في توضيح أمثلته خلال هذا الجزء كله وطرفاً صالحاً من الجزء الذي تلاه.