النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٣٧

737

|

نظرية الزمن والأحكام الفقهية

أ. د. إدريس الفاسي الفهري

وقد كان الفقه الخاص بالعلاقات الدولية أو علم السير من أكثر الأبواب تطوراً في عهد الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة بحيث توجد في أيدي الناس اليوم لكل واحدٍ منهم اجتهاداته بل منظومته الفقهية المتعلقة بهذا الشأن.

ومن

الأئمة،

ونظراً لانغلاق الدولة الإسلامية على نفسها في الفترات اللاحقة، كما هو الحال في غيرها من دول المعمور حينئذ، فقد عرف هذا التخصص انحساراً شديداً في القرون التالية، إلى أن صارت الاجتهادات المتصلة به من أكثر أبواب الفقه ضموراً في الكتابات التي جاءت من بعد عصر أشدها إغراقاً في الجانب النظري. وفوق هذا وذاك صار هذا التخصص في المدونات الفقهية المعروفة من أولى مثال على الفقه التاريخي الذي يتأسس على واقع بعيد عما يتعارف عليه الناس اليوم من مبادئ العلاقات الدولية وقضاياها وتشريعاتها المعاصرة التي تنخرط فيها الدول الإسلامية بحكم ما ترتبط به وتلتزمه من المواثيق والمعاهدات في جملة الأسرة الدولية بأسرها.

6.

ومع ما ذكر فإن اللافت للأنظار هو أن النصوص التشريعية التي يستمد منها علم السير، والروح التشريعية المنبثة فيه والقواعد الكلية التي ينبني عليها؛ كل أولئك مما يطابق الروح الإنسانية التي يرفع شعارها القانون الدولي اليوم، وسيتبين لنا في الفصل القادم بحول الله من بعض المبادئ التي ستأتي معنا في خلاله أن ثوابت الإسلام بنصوصها وعمومياتها وكلياتها تتجاوز كل خلل في هذه القواعد والمعاهدات الدولية وتقدم للإنسانية من ضمانات الأمن والاستقرار ما لا يمكن أن يحصل إلا من جهتها.

وأكتفي هنا بإعطاء مثال واحد على هذا الفرق بين الفقه التاريخي والفقه الواقعي المتأسس على الوعي بكليات الشريعة وهديها العام كما فصلناه في العنصر السابق، وهذا المثال هو ما يتعلق بالرق وأحكامه:

فهل يمكننا اليوم أن ننظر إلى الموضوع بمثل النظرة التي ترجع إلى عهود ماضية؟! وهل يمكننا اليوم أن نحتفظ من أحكام الفقه بأحكام لا وجود لها في هذه النصوص والاجتهادات إلا في ظل مشروعية الرق مع العلم بأنه قد انتهت مشروعيته؟! وهذا المثال هو من أوضح الأمثلة على فرق ما بين الفقه التاريخي والفقه الواقعي وهو أيضاً أشد الشؤون تعلقاً بما نحن فيه من أحكام الأسرى مثلاً في حال النزاعات المسلحة. وذلك أن المصدر المشروع للاسترقاق في العهود التاريخية السابقة هو النزاعات المسلحة. ومصير الاسترقاق بالنسبة للأسرى كان عملاً معهوداً، بل لم يكن ثمة من وجه للاحتفاظ بالأسرى وإعالتهم في تلك العهود غير الاسترقاق.

من