النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٣٨

738

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الله وقد فتح تعالى أبواباً كثيرةً ومتنوعةً للعتق حيث جعل في كفارة كل ذنب كبير إعتاق رقبة، على التخيير مع غيرها لمن لا يملكها. وجعل الله تعالى من أعظم القربات التي يتقرب بها الخلق هو الإعتاق. ودخل في الفقه من أنواع الوصايا التدبير» وهو الوصية بعتق المملوك. وأعطت الشريعة الإسلامية لأم الولد حريتها.

وأسجل هنا أن الاسترقاق جرى مع عدم النزاعات المسلحة، واستُبيح من غير طريقها في أماكن وأزمنة ليست منا بالبعيدة. وقد تم الاسترقاق فعلاً من مجرد اختطاف الأحرار بغير حق. وسمعت للفقهاء والخطباء والوعاظ بين الفينة والأخرى استنكارات لظاهرة الرقيق في عهود لم يكن فيها من سبيل إلى استرقاق «مشروع». ولم تكن استنكاراتهم إلا جرياً على وفق النصوص الشرعية الثابتة ومن أشدها الحديث القدسي عن أبي هريرة له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر،

ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (1).

وأتصور أنه لولا الوجوه التاريخية الباطلة للاسترقاق، فإن هذا العهد كان سينمحي في فترة متقدمة من التاريخ الإسلامي بالنظر إلى الوجوه العديدة لوجوب العتق، واستحبابه في الفقه الإسلامي، ومن الوجوه الطريفة لاجتهاد طائفة صالحة من الفقهاء في توسيع دائرة العتق، وتدعيم ما يؤدي إليه: منع الرجوع في التدبير، وحتى من أجاز في الفقه الرجوع في وجوه من الوصايا لم يُجز ذلك في التدبير وتوسيع دائرة الحرية بالنسبة لأم الولد، فقد كان من اجتهادات الفقهاء أن كل ما أسقطته الأمة مما يعلم أنه ولد فإنها تكون به أم ولد كان مضغةً أو علقةً أو دماً» (2). ومن أجل ما تقدم فإننا إذ نقرأ اليوم الأبواب الفقهية المتعلّقة بالرق لا نعدها إلا من الفقه التاريخي وأسوة بالشيوخ الذين تلقينا عنهم فإننا لا ندرج في مقررات الفقه الأبواب المتعلّقة بالرق أصلاً؛ بل إننا نتحاشى التمثيل بأحكام الرق عند الكلام عن النظريات الفقهية، والقضايا الأصولية. وذلك اعتباراً لكون الرق لم يعد له بالواقع صلة،

يعد تحته عمل.

ولم

(1) رواه البخاري عن أبي هريرة: برقم: 2114، 776/ 2، باب إثم من باع حراً، كتاب البيوع. وابن ماجه: برقم: 2442، 816/ 2.

(2) المقدمات لابن رشد (الجد): 201/ 3