النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٤١أثر الفقه في أعمال المؤرخين
د. أيمن فؤاد السيد
(مشرف وباحث بدار الكتب والوثائق القومية،
في جمهورية مصر العربية
741
الله الرحمن الرحيم
أضحت المؤلّفات الفقهية من الناحية النظرية - نتيجة للنقص الكبير في وثائق العصور الإسلامية المبكّرة - ذات قيمة كبيرة برغم أن طبيعتها تجعل الاستفادة منها بالنسبة للمؤرخ من الصعوبة بمكان.
ومن أصعب المشكلات التي تواجه المؤرخ في التعامل مع هذه النوعية من المصادر، معرفة ما إذا كان الوضع الفقهي الذي يمثله أحد المؤلّفين يتمشى مع التطبيق العملي في عصره، أم يمثل مجرد اجتهاد عقلي من جانبه. فمما لا شك فيه أنَّ كثيراً من المباحث الفقهية التي ذكرها الفقهاء كانت افتراضية محضة، ومن ثم يجب النظر إليها بحذر شديد قبل استخدامها كمادة صالحة لدراسة الظروف الاجتماعية، ومع ذلك فلا ينبغي تعميم هذه القاعدة طالما تعامل المؤرخ مع الإنتاج الفقهي الإسلامي، وفي ذهنه النقاط التالية.
أنَّ كل فقهاء المسلمين يقرُّون في المقام الأول بضرورة رد أعمالهم إلى القرآن وإلى السنة النبوية، إلا أن ذلك قد يؤدي بنا عند التطبيق إلى نتيجتين متعارضتين، فإما أن يلتزم الفقيه بالسُّنَّة حتى لو تعارضت مع الممارسة الفعلية، وإما أن يقر العرف الجاري ويحاول أن يجد له ما يبرره في نصوص الكتاب والسُّنَّة، حتى وإن اضطره ذلك إلى ليها أو حتى إلى اختلاق الأحاديث. وتتفق الطريقتان في خضوع أحكامهما ومبرراتهما للإطار التقليدي للمعتقدات الإسلامية كما حدده المسلمون الأولون. ولكن هذه الطريقة النظرية التي تقدم بها تلك الأحكام لا تستتبع بالضرورة أن
تكون غير حقيقية.
وينبغي أن ننبه إلى أثر اختلاف الموضوعات والعصور والأقاليم، فعادة ما يعبر الموضوع عن البيئة التي أفرزته أكثر مما يعبر عن الشخص الذي رواه، ومن المعلوم في القواعد الفقهية العامة