النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٥١

التطور الفقهي عند جولدزيهر

أ. د. محمد قاسم المنسي

751

وعدم التعصب، فهو يرى أنها كانت أوامر قديمة ما لبث المسلمون المحدثون أن تخلوا عنها مقارنة بالمسلمين الأولين، فضلاً عن اتهام النصوص الدينية بأنها كانت مناسبة فقط للحياة البدوية الساذجة، وذلك توطئة للقول بأنها لا تناسب العصر الحاضر.

إن هذا التصور من جانب جولدزيهر لدور القرآن في التشريع وتنظيم حياة البشر، يدل على عدم إدراك جولدزيهر، يدل على عدم إدراك لطبيعة التشريع القرآني من ناحية، وتأثره بطريقة التقنين الحديثة من ناحية أخرى وهذا ما سنتناوله بالتفصيل، لا سيما أن غيره من المستشرقين

قد ردد هذا الكلام.

ومما لا شك فيه، أن التشريع القرآني قد تميز بمجموعة من الخصائص التي تجعل منه نظاماً متكاملاً قائماً بذاته.

ومن الخصائص: الشمول، والعموم، والثبات والمرونة

أما الشمول: فيبدو في أن أحكام الشريعة الإسلامية قد غطت كل جوانب الحياة، سواء في ما يتعلق بتنظيم علاقة الأفراد بعضهم ببعض، أو علاقة الفرد بالسلطة أو الدولة، أو علاقته بخالقه، وعلى الرغم من قلة نصوصها - من حيث العدد - إلا أنها تضمّنت بصورة أو بأخرى، كل القواعد الأساسية اللازمة لتقدم المجتمع وازدهاره.

ولقد صاغ هذه الحقيقة أحد كبار فقهاء الإسلام - وهو الإمام الشافعي - حيث قال: كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم اتباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد.

ومعنى هذا أن كل ما يحتاج إليه الناس في كل زمان ومكان من أحكام وتشريعات لضبط حياتهم الاجتماعية وتحقيق العدل والسلام بينهم، يجدونه في أصول الشريعة إما منصوصاً عليه

بذاته أو خاضعاً للقواعد العامة التي تشمل ما لا يجد من صور السلوك والتعامل بين الناس.

ولكي تسع الشريعة كل جوانب الحياة، فقد سلكت منهجاً متميزاً في عرض الأحكام والقواعد التشريعية، يقوم على أساس التزام الإيجاز والإجمال والعموم في الجوانب التي تعد ميداناً واسعاً للتغير بحسب الزمان والمكان والأشخاص، والتزام التفصيل والتقييد في الجوانب التي لا تتغير، بسبب ارتباطها بثوابت إنسانية لا يفترق فيها زمن عن آخر.

وعلى سبيل المثال، فإن الشريعة اكتفت بوضع المبادئ والقواعد العامة التي تصوغ العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وتركت للمجتهدين في كل عصر وضع الهياكل أو الأطر التي تحقق من خلالها هذه المبادئ، ما قصده الشارع منها.