النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٥٢

752

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

على حين جاءت بتشريعات مفصلة واضحة في أمور أخرى، كالزواج والطلاق والميراث والوصية ونحوها لتعلّق أحكامها بمصالح ثابتة لا تتغير.

وأما العموم: فيبدو أن أحكامها شرعت لأفعال إنسانية مجردة، أي لا تختص بأشخاص معينين، وإنما بمن تصدر عنه هذه الأفعال وتتوفر فيه شرائط التطبيق، كما تبدو ـ أيضاً ـ في كون هذه الأحكام جزءًا من رسالة الإسلام التي جاءت للناس كافة، ومن ثم فإنها لا تختص بشعب معين أو

زمن بعينه.

لقد حاول بعض المعاصرين أن يجرد الشريعة من عمومها فاعتبرها شريعة عربية، أو شريعة موقتة، لكن النظر في تاريخ تطبيق هذه الشريعة يؤكد أنها تجاوزت الحدود الإقليمية لشبه الجزيرة العربية - موطنها الأول وقاعدة انطلاقها لسائر بقاع الأرض - وتجاوزت الحدود الزمانية - عصر نزولها واكتمالها - إذ إن نصوصها موجهة إلى كل مكلف على وجه الأرض، يمكن أن يتأتى منه فهم الخطاب، وامتثال، حكمه حيثما كان، وفي أي عصر وجد.

وأما الثبات: فيبدو أولاً: - في أن أصول هذه الشريعة من عبادات ومعاملات وأخلاق، لا يتطرق إليها التغيير أو التبديل؛ لأنَّها وحي منزل لا قوانين وتشريعات يصدرها المجتمع، ومن ثم يكون له حق تغييرها وتبديلها إذا أراد ذلك. ومن ثم فكل ما تضمنته هذه الأصول من وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وتقرير الحدود على الجرائم ونحو ذلك، لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه، ولو سمح بإدخال أي تغيير في هذه الأحكام لكان نسخاً للشريعة، وتعدياً على سلطة المشرّع حقه، ولهذا لا أن ينقلب الحرام حلالاً والحلال حراماً، ولا الحسن قبيحاً، ولا القبيح حسناً، ونحو ذلك.

ويبدو

يصح

ثانياً: في الأهداف والغايات التي توخّاها المشرّع لتحقيق مصالح الناس، في كل عصر وهذه المصالح ـ مع تنوع صورها وأشكالها - ترجع إلى حفظ الأمور الخمسة التالية، وهي: الدين، والنفس والعقل والنسل، والمال، ولذلك فإن الأحكام المتعلقة بها تتسم بالثبات والاستقرار. وأما المرونة: فتبدو أولاً: في صياغة نصوص الشريعة، حيث اتسمت بالإيجاز وعدم البسط في التعبير عن كثير من القواعد التشريعية، وينطوي ذلك ضمنياً على تأكيد حق البشر في ابتناء الأحكام على هدى هذه القوانين والمبادئ، واختيار الوسائل والأساليب التي تتناسب مع ظروفهم وحاجاتهم. واتسمت كذلك بقبولها لتعدد المعاني والتفسيرات، فمعظم النصوص التي تعرضت للأحكام الجزئية والتفصيلية صاغها المشرع صياغة تتسع لأكثر من معنى أو تفسير، وينطوي هذا على إقرار ضمني بجواز اختلاف الأحكام المستمدة من هذه النصوص في الزمن الواحد والأزمنة المختلفة، بحسب الظروف المحيطة بواقع التطبيق وحاجات كل مجتمع.