النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٦

76

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وأحمد بن حنبل مراسلات بخصوص كتب الشافعي، وكتاب الرسالة على وجه الخصوص الذي انتفعا به انتفاعاً كبيراً (1).

أما بخصوص التأثير الذي أحدثه الكتاب، فهناك أقوال عدة لأهل الحديث أيضاً توضح ذلك، من تلك الأخبار:

أن أحمد بن حنبل قال: «كَانَتْ أَقْفِيَتُنَا - أصحاب الحديث - في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنْزَعُ، حَتَّى رَأَيْنَا الشَّافِعِيُّ، وكان أفقة الناس في كتاب الله، وفي سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان يَكْفِيهِ قَلِيلُ الطَّلَبِ في الحديث.

وقال الحُمَيْدِيُّ: «كُنَّا نُرِيدُ أَن نَرُدَّ على أصحاب الرأي، فلم نُحْسِنْ كيف نَرُدُّ عليهم، حتَّى جاءنا الشَّافِعِيُّ، فَفَتَحَ لنا» (3).

فهذه الأخبار والوقائع تجعل من الرسالة الشافعية - التي سماها «الكتاب» وليس «الرسالة» - نصراً لأهل الحديث على أهل الرأي، على الأقل من قبل متلقيها من أهل الحديث. وحتى يتسنى لنا فهم حقيقة عمل الشافعي لا بد من التذكير بطرائق التفكير الفقهي السابق عليه، وهو ما لخصه الفخر الرازي بقوله: «إن الناس - كانوا قبل الشافعي - فريقين: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي … وأصحاب الرأي أظهروا مذاهبهم وكانت الدنيا مملوءة من

المحدثين ورواة الأخبار، ولم يقدر أحد منهم على الطعن في أقاويل أصحاب الرأي … » (4).

ومدرسة الحديث هي تعبير عن بروز طائفة المحدثين عَلَماً على صنعة الاشتغال بالحديث في سياق الجمع الرسمي لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم الذي بدأه محمد بن شهاب الزهري (124 هـ) بأمر عمر بن عبد العزيز، وتحويل تلك الأحاديث إلى مصدر حصري للتشريع في مقابل الرأي، فالعلم لدى هذه المدرسة هو من طريق النقل فقط.

أما مدرسة الرأي فكانت تنهج نهجاً منفتحاً في التشريع يتسع فيه الرأي ليشمل منذ منتصف القرن الثاني الهجري ثلاثة أصناف من الحجج، كانت جميعها في الأصل أجزاء من

مفهومه الجوهري، وهي:

(1) البيهقي: المرجع السابق، 233/ 1.

(2) ابن أبي حاتم الرازي (327 هـ)، آداب الشافعي، ص 42.

(3) المرجع السابق، ص 32.

(4) الفخر الرازي (606 هـ)، مناقب الإمام الشافعي، ص 389 - 391.