النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٥٣التطور الفقهي عند جولدزيهر
أ. د. محمد قاسم المنسي
753
_ 1
وتبدو
ثانياً: في أن هذه النصوص عللت الكثير من الأحكام التي جاءت بها، والتعليل بيان لما يترتب على الأفعال المأمور بها من مصالح تعود على الناس ثمرة امتثالهم، وعلى المنهيات من مفاسد نتيجة اقترافها، وهذا الأسلوب، ينادي بأن الأحكام لم تكن محض أوامر ونواه تعبدية قصد بها مجرد إخضاع المكلفين لها، ولكنها جاءت لتحقيق مصالحهم، فتجلب لهم المنافع، وتدفع عنهم المضار، وفيه إشارة إلى أنها تدور مع المصالح فحيثما توجد المصلحة فثم شرع الله ويرشدنا من وراء ذلك إلى أن نسلك عند التطبيق هذا الطريق، فلا نبعد عنه، وأن الحكم متى تغيرت مصلحته أو أصبح لا يحقق مقصود الشارع منه يجب تغييره والا كنا مناقضين لمقصود الشارع، ومن هنا صرح الفقهاء بأن الفعل إذا لم يوصل إلى مقصود الشارع منه كان لاغياً «كذا».
وتبدو
ثالثاً: في أن الشريعة راعت ظروف العباد الاستثنائية أو ما يسمى بالضرورات والأعذار التي تنزل بالناس، فقدرتها حق قدرها، وشرّعت لها أحكاماً استثنائية تناسبها، تخفيفاً عن العباد، ورحمة بهم. وتبدو رابعاً: في اتساع منطقة «العفو» أو الفراغ التشريعي، التي تركها المشرع قصداً لاجتهاد المجتهدين في الأمة بما هو أصلح لهم، وأليق بزمانهم وحالهم، مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة. والأصل في تسمية هذه المنطقة بالعفو» ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من لم يكن ينسى شيئاً ثم تلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّا﴾ [مريم: 64].
عافيته، فإن
الله
الله
خامساً: - وتبدو في منح ولي الأمر سلطات تشريعية، يتم بمقتضاها: (1) نقل القواعد الأخلاقية إلى دائرة الإلزام القانوني، والتي تمثل مسألة لتعزيز الصورة الرئيسية لها، ففي مسائل المندوبات والمكروهات (وبعض المباحات كالطلاق) يكون لولي الأمر حق التدخل بالجزء المناسب إذا رأى مصلحةً في ذلك، تطبيقاً لقاعدة إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، أمثلة ذلك ما لجأت إليه بعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة لإلزام الأفراد بما كان متروكاً لضمائرهم وللجزاء الأخرى، كما في مسائل الطلاق وتعدّد الزوجات والنفقات والوصية
ومن
للأقربين وغيرها.
2 - نقل الحكم الفقهي من مرتبة إلى أخرى ـ بحسب المصلحة المترتبة على ذلك فمن المعلوم أن للأحكام الفقهية خمس مراتب الوجوب، والحرمة، والندب والكراهة، والإباحة، ومن ثم يجوز لولي الأمر أن يتصرّف فيها، بأن ينقل الحكم من المحظور إلى المباح، أو العكس، وذلك في ظروف خاصة وبشروط معينة، تكفل صيانة النصوص الشرعية من أن يعبث بها الحكام وولاة الأمور، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما فعله عمر بن الخطاب الله.