النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٥٤

754

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

3

وضع العقوبات المناسبة للجرائم أو المخالفات التي لم يرد بشأنها جزاء محدد، وتحديد مقاديرها وأجناسها وصفاتها وشروطها في ضوء ما يحقق المصلحة المنوطة بوضعها وتطبيقها - وهذا هو التعزيز وهذا الخصائص، استطاعت الشريعة الإسلامية أن تواجه ـ عبر الزمان والمكان - المشكلات والتطورات الاجتماعية المختلفة من دون أن تتخلى عن شخصيتها المتميزة أو تحتاج إلى عناصر قانونية أخرى، لا تتفق معها في المنهج أو الغاية لكن تحقيق ذلك في عالم الواقع استلزم جهوداً متتابعة قام بها الفقهاء المسلمون في كل عصر، للملاءمة بين النصوص الدينية التي لا يستطيع أحد إلغاءها أو نسخها وبين الظروف الجديدة التي لا يستطيع أحد تجاهلها، وليس التراث الفقهي في حقيقة الأمر إلا تعبيراً واضحاً عن حقيقة هذه الجهود. أما بالنسبة للمحور الثالث: فمن الواضح أيضاً أنه لا يدرك الدور الحقيقي الذي يقوم به الفقهاء والمسلمون، ومن ثم فقد نسب لهم دوراً غير حقيقي، عندما أسند لهم مهمة تطوير قوانين الشريعة وتعديلها بحسب الأحوال المستجدة، من دون تمييز بين ما يستحق تدخل الفقهاء وما لا يستحق تدخلهم، كأشكال العبادات، فإن الفقهاء لا يملكون التدخل فيها، وما لا يستحق تدخلهم، كأشكال العبادات، فإن

الفقهاء لا يملكون التدخل فيها؛ لأنَّ الأصل فيها هو التعبد والتزام ما ورد بشأنها من المشرع. أما ما يستحق التدخل من الفقهاء فهو ما سكت عنه المشرع أو ما يحتمل تعدد المعاني والتفسيرات، فيكون لهم حق الاجتهاد في فهم المعنى، أو ترجيحه عندما تتعدد المعاني وذلك في ضوء مقاصد المشرع وأغراضه.

ولقد كانت المشكلة التي واجهت الفقهاء المسلمين في كل عصر هي كيفية التوفيق بين النصوص الثابتة والظروف المتغيرة، ذلك أنه بعد عصر اكتمال الشريعة واتساع مساحة الدول الإسلامية، ودخول أجناس عديدة وشعوب مختلفة الثقافة والتقاليد، واجه المسلمون أوضاع ومسائل جديدة، وكل ذلك شكل ظرفاً مغايراً لما كان عليه الحال من قبل، حيث وجد الفقهاء أنفسهم مطالبين بضرورة البحث في أصول الشريعة.

وكان هذا البحث أيضاً هو الأساس الذي أقيمت عليه نظرية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، وذلك أن الاجتهاد - وهو مجتهد عقلي صرف - لا يستهدف فقط إنشاء أحكام جديدة في مسائل لم ترد فيها نصوص خاصة من القرآن والسُّنَّة، وإنما يستهدف أيضاً إعمال الجهد، في تفهم نصوص الشريعة، وخصوصاً تلك التي تقبل تعدّد المعاني والتفسيرات وفقه الظروف والملابسات التي تحيط بالواقع، مجال التطبيق، ابتغاء الفهم الصحيح والتطبيق السليم، الذي يتفق مع الشريعة ويحقق مصالح الناس في الوقت نفسه. ولئن كان ميدان البحث في نصوص الشريعة يدور حول المعاني والدلالات التي يمكن أن تستخرج منها في ضوء المعطيات اللغوية والتشريعية التي تكون مادة الأحكام، فإن ميدان البحث

مقاصد