النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٥٨758
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وصفها العادة المقدسة، وجوهر العبادات، وتفكير الأمة الإسلامية قديماً، التي تطورت حتى وصلت إلينا، وأخذت شكلاً آخر هو الحديث (1).
وهكذا يريد جولدزيهر أن يرد السنة إلى العادات المتبعة، وذلك توطئة للقول بأنها تتغير من جيل إلى جيل، ومن طبقة إلى طبقة مثل جميع العوائد التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، وتوطئة أخرى للقول بأن المسلمين كاليهود قدسوا شيئاً غير القرآن الكريم.
إن ما ذكره جولدزيهر مخالف لما درج عليه علماء الإسلام الذين تحدثوا عن لفظ السنة ولفظ الحديث، باعتبار أنهما مترادفان، ومن ثم فالسنة عند المحدثين هي كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وهذه الأمور كلها هي ما يطلق العلماء عليها لفظ (الحديث).
2
الله
ومن جهة أخرى نجد أن جولدزيهر خلط بين مفهوم السنة عند علماء الأصول ومفهومها عند علماء الحديث، فالسنة عند الأصوليين: هي دليل من الأدلة بعد القرآن الكريم، لكنها عند المحدثين تشير إلى ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما يسمى بالحديث)، ومع ما سبق، تجدر الإشارة إلى أن لفظ السنة كان أسبق في الاستعمال للدلالة على الحديث من لفظ الحديث. كما تشهد بذلك عن مرويات. أما مسألة وضع الأحاديث: فقد كان عليه أن يشير إشارة دقيقة إلى الفترة الزمنية التي بدأ فيها الوضع، إذ ليس من الدقة القول بأن وضع الأحاديث تمَّ في الأجيال المتقدمة أو أنه من عمل رجال الإسلام القدامى؛ لأنَّ الوضع ظهر لأسباب متعددة)، أكثرها الأحداث السياسية التي أدت إلى انقسام المسلمين إلى أحزاب وشيع، حيث اتخذ هذا الانقسام شكلاً دينياً كان له أبلغ الأثر في نشأة المذاهب الدينية، فإن حاول كل حزب أن يؤيد موقفه تأويل القرآن على غير حقيقته، وتحميل نصوص السنة ما لا تتحمله، وأن يضع كل منهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث يؤيد بها دعواه.
ولا يمكن القول بأن الصحابة أقدموا على ذلك الأمر؛ لأنَّ الثابت عنهم هو التشدد في قبول الأحاديث،
فكان عمر لا يقبل الحديث إلا إذا كان مع الراوي شاهد على الحديث الذي رواه أحد الصحابة. يقول ابن سيرين في ما رواه عن مسلم في مقدمة كتابه الصحيح: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم». إن تتبع الجهود التي قام بها الصحابة ومن بعدهم في توثيق
(1) كل هذه الأحاديث، سواء ما يتعلق بالأحكام الفقهية أو الأمور الخلقية التهذيبية يرجعها أصحابها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة سلسلة متصلة إلى الصحابي الذي سمع هذه الأقوال من النبي صلى الله عليه وسلم ورآه يعمل بهذه العادات. (2) هناك أسباب أخرى كانتشار الزندقة وظهور العصبية للجنس والقبيلة واللغة والقصص والوعظ والرغبة في التقرب للملوك والأمراء، والترويج لأنواع من الأكل أو الثياب.