النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٥٩759
|
التطور الفقهي عند جولدزيهر
أ. د. محمد قاسم المنسي
السنة، يكشف عن الوعي بخطورة ظاهرة وضع الأحاديث، وضرورة وضع قواعد علمية لتصحيح الأخبار ونقد الروايات لتمييز الصحيح من غيره، وكشف الوضاعين حتى وصل بهم الأمر إلى إفراد الأحاديث الموضوعة بالجمع والتأليف، تحذيراً للأمة من اعتمادها والعمل بها، ومن أشهرها: الموضوعات لابن الجوزي (ت: 597 هـ).
ولقد غمز جولدزيهر علماء الأحاديث عندما قال بأن وجهات نظرهم في النقد ليست كوجهات النظر عندنا، التي تجد مجالاً كبيراً في النظر في تلك الأحاديث التي اعتبرها النقد الإسلامي صحيحة وغير مشكوك فيها ووقف حيالها لا يحرك ساكناً.
وهذا اتهام ينقصه الدليل، فالنقد الإسلامي وضع قواعد لمعرفة الوضع في السنة، ولمعرفة الوضع في المتن، فلم يقتصر الأمر على صحة الأحاديث من حيث الشكل بل من حيث المضمون ولم يكتفوا بذلك، بل جعلوا للنظر الخاص مكاناً في رد الحديث أو قبوله؛ لأنَّهم لم يستسيغوا عبارته، ومن هنا كانوا يقولون: هذا الحديث عليه ظلمة أو ينكره القلب، أو لا تطمئن إليه النفس.
لكن عبارة جولدزيهر توحي بأن مفهوم (النقد) عنده لا يقف عند حد، وإنما يصل به إلى نقد المتن ومناقشته والاعتراض عليه إذا لزم الأمر، بعد أن تتوفر له كل شروط الصحة التي وضعها العلماء، وهذا بالطبع يفتح باباً لهدم السنة وإهدار مكانتها. إن نقد الأحاديث كان الهدف منه تمييز الصحيح من غيره، وليس مناقشة مضمون الأحاديث التي ثبتت صحتها وسلامتها من الوضع
والكذب.
3 - أما مسألة أن الحديث كان مجالاً تسربت من خلاله نصوص من مصادر غير إسلامية، أو ما يسمى بالإسرائيليات في الحديث، فقد تكفّل علماء الحديث بالتنبيه على ما ورد من هذه المصادر، ومن ثم ردوا ما ثبت أنه يتعارض مع القرآن أو السنة. أما وجود بعض العبارات أو الألفاظ المتشابهة فلا ينهض دليل على أن الحديث استعار شيئاً غريباً عنه، وضمه إليه، ونسبه لنفسه، إلا إذا كان جولدزيهر يريد من ذلك إثبات أن أصول الحديث ترجع إلى مصادر غير إسلامية، وهذا مخالف للحقيقة والواقع، حتى لو وردت بعض الكلمات في الحديث ومصادر أخرى فإن هذا لا يثبت النتيجة التي يريد الوصول إليها.
4
أما مسألة تطور الحديث التي يستدل لها على أن الرياء والكبر نوع من الشرك، فليس هذا من باب التطور في التعاليم الاعتقادية، كان الشرك في البداية معبراً فيها مما يناقض التوحيد، ولكن مفهومه تطور بعد ذلك، فصار يطلق على الرياء في الأعمال الدينية بقصد كسب إعجاب الناس؛ لأنَّه وضع التفكير في مراعاة الناس على قدم المساواة مع التفكير في الله ومن ثم فإن معنى الشرك سوف يتسع لدائرة أكبر، وهذا هو معنى التطور عنده.