النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٦٣

التطور الفقهي عند جولدزيهر

أ. د. محمد قاسم المنسي

763

وقال البزدوي وجماعة من الحنفية: الإجماع مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث والإجماع الذي سبق فيه الخلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد.

واختار بعضهم في الكل أنه يوجب العمل لا العلم.

الثاني: تعدد ألوان الإجماع، فهناك إجماع الصحابة وإجماع أهل المدينة، وإجماع العترة الشريفة من آل البيت، وإجماع الفقهاء المجتهدين، وإجماع الأمة على المعلوم من الدين بالضرورة، وهناك الإجماع الصريح والإجماع السكوتي، ولا شك أن مثل هذا التعدد يجعل الباحث حائراً في

تحديد المراد عندما يستخدم مصطلح الإجماع.

ومن هنا فإننا بحاجة إلى التمييز بين نوعين من الإجماع:

الأول: إجماع الأمة على حكم مسألة من المسائل الدينية المحصنة أو التي لا يستغل العقل بإدراكها، وهذا هو الذي عناه الشافعي بقوله: «لست أقول، ولا أحد من أهل العلم، هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقى عالماً أبداً، إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربعاً وكتحريم الخمر وما أشبه هذا … » (الرسالة).

الثاني: اتفاق أولي الأمر في الأمة على حكم مسألة لم ينص على حكمها في كتاب أو سنة، مما هو مجال للرأي من مصالح الأمة الدنيوية التي تختلف باختلاف الزمان أو المكان، كالإجماع على إمامة شخص دنيوية، لذا ذهب بعض العلماء إلى تسميته بالاجتهاد الجماعي. ولا شك أن التمييز بين

هذين النوعين سيضبط معناه ويحدد مجاله ويزيل الاضطراب الذي نشأ بسبب الخلط بينهما.

ثانياً: لم يخطئ جولدزيهر في تحديد مفهوم الإجماع فقط، وإنما أخطأ أيضاً في تحديد وظيفة الإجماع. فقد ذهب إلى أن الإجماع الذي يمثل عنده صوت الشعب المجهول الذي لا يتطرق إليه الخطأ، يعطينا المفتاح لفهم تاريخ تطور الإسلام في علاقاته السياسية والاعتقادية والفقهية، فما تقبلته الأمة الإسلامية صحيحاً صادقاً يلزم أن يكون صحيحاً صادقاً، وترك الإجماع ترك السنة السمحة، وهكذا يكون للإجماع عنده سلطة تعلو على سلطة الكتاب والسُّنَّة، وليس ذلك فحسب، بل أن يحتوي على بذور التحرر للحركات الإسلامية الحرة والتطورات المستطاعة، فهو تقديم ضد ديكتاتورية الجمود وقتل الشخصية، قوة للتعادل.

وبهذا يعتبر التمسك بأحكام الشريعة الواردة في الكتاب والسُّنَّة جموداً وقتلاً للشخصية، ويعتبر الإجماع أداة للتحرر من الأحكام، ويعتبر كذلك قوة معادلة لقوة نصوص القرآن والسنة، ومن خلالها يتم التطور في الحياة الإسلامية؛ لأنَّ الإجماع - في النهاية وكما يراه - صوت الشعب