النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧١

771

|

مراحل التاريخ الفقهي وتاريخ الفقه عند كولسون وأندرسون.

أ. د. محمد أحمد سراج

أن هذا أساس فارق في دراسة تاريخ الفقه الإسلامي، وتحديد مراحل تطوره، وفحص الأحكام التي يرددها الكثيرون عن هذه المراحل من دون وعي كاف بمضامين هذه الأحكام. وينبغي أن نحدد السؤال بوضوح: هل يقف تاريخ الفقه الإسلامي عندما يطلق عليه البعض مرحلة الجمود وإغلاق باب الاجتهاد؟ أم أن الواجب على المؤرخ لتطوير التشريع الإسلامي أن يمد بصره إلى العوامل الحية التي تشكل التشريع الإسلامي في واقعنا المعاصر؟ وهل قصة إغلاق باب الاجتهاد قصة واقعية؟ أو أنها تسرّبت إلينا لتبرير حياة قانونية بالغة الاضطراب ومن العجب أن يقع الكاتبون الأوائل عن تاريخ التشريع من المسلمين في تقسيم مراحل تطور الفقه الإسلامي تقسيماً يتفق مع منهج شاخت ومن على شاكلته، ممن يقفون بتاريخ هذا الفقه إلى مشارف العصر الحديث. ويحدثنا هؤلاء الكاتبون الذين يركّزون على أدوار الفقه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد الصحابة، وفي عهد صغار الصحابة والتابعين، وتكوين المذاهب الفقهية ثم على دور التقليد والجمود، ليشيروا في النهاية إشارة موجزة إلى الدور الأخير الذي يشهده التطور الفقهي، وهو ما سمّوه: «دور النهضة الحديثة الذي حقق في رأيهم انطلاقة تتمثل في إنشاء أقسام الشريعة وكلياتها، وتحقيق المخطوطات الفقهية ونشر الأبحاث والدراسات العلمية. وهذا التقسيم لمراحل تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره تقسيم معيب، ويعكس اتجاهاً نظرياً يقف بالفقه الإسلامي عند مرحلة تكوين المذاهب الفقهية، ويحصره في مجال التفكير، وأئمة النظر، من دون التفات إلى الجانب العلمي التطبيقي وإلى جهود القضاة الذين كان لعملهم أبلغ الأثر في النظر الفقهي، وفي تطوير هذا النظر، طبقاً لما أكده شبلي ملاط في بحث عميق له نشره في كتاب أكسفورد للقانون المقارن الذي قمت بترجمته مؤخراً. ولعل أهم إسهام لكل من أندرسون وكولسون هو تناولهما للفقه الإسلامي وتاريخه بمنهج قانوني يضع في اعتباره كلاً من التطور النظري والعمل التطبيقي بمؤسساته التاريخية والمعاصرة، وهو ما أكشف عنه بالنسبة لكل واحد منهما في ما يلي من هذا البحث.

3 - نورمان أندرسون James Norman Dalrymple

ولد هذا المستشرق في: 1908/ 9/29 م، وحصل شهادته الجامعية الأولى من (Trinity College) في كمبردج، ونال إجازة الحقوق LLB عام 1931 م ليأتي إلى مصر في بعثة تبشيرية، حيث استقر بها ثماني سنوات تعلم خلالها اللغة العربية في الجامعة الأمريكية، وخدم في الجيش البريطاني 1939 ثم ضابط اتصال للقوات العربية الليبية، ثم مستشاراً للملك السنوسي، ثم مدرساً للقانون الإسلامي في جامعة كمبردج لمدة ثلاث سنوات لينتقل بعدها إلى مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية حتَّى عام 1974 وهذه هي الفترة التي أصدر فيها أهم أبحاثه عن القانون الإسلامي في

تطبيقاته المعاصرة.