النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٨78
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
في هذا السياق جاء الشافعي، وقد رحل وتتلمذ على كلا المدرستين، الحديث والرأي، ومن النصوص المهمة التي توضح تفكير الشافعي في خارطة التفكير الفقهي، أنه سأل تلميذه الربيع عن أهل مصر، فقال الربيع: «هم فرقتان: فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عليه، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عليه. فقال الشافعي: أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعاً. قال الربيع: ففعل ذلك والله حين دخل مصر!».
ويوضح أبو الوليد المكي الفقيه موسى بن أبي الجارود عمل الشافعي بقوله: « … اجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتَّى أصل الأصول وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره … ».
1
2
وتتلخص نظرية الشافعي، الذي سماه أهل مكة ناصر الحديث»، في الأبعاد التالية:
مركزية أطروحة الحديث النبوي من التفكير الفقهي والعمل التشريعي عنده، ولعله أول من نظر للقول بالاتباع، وأن «الوحي متلو - هو القرآن - وغير متلو - وهو الحديث. وقد كان واضحاً من بداية كتابه الرسالة في تحديد وظيفة البعثة النبوية، وأن النبي بعث، والناس صنفان: أهل كتاب بدلوا وكفروا وافتعلوا كذباً فخلطوه بحق الله المنزل، وصنف كفروا وابتدعوا، وأن شخصية النبي شخصية مركزية في عملية الهداية لنا. واللافت في نظرية الشافعي الاتباعية، قوله ـ بوعي - باشتمال النص على أحكام شاملة لكل أفعال العباد، وأن سلطانه يطول كل ما يجد من نوازل، وهو يوضح ذلك بدءًا من المقدمة حين يقول: «ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (3)، وبما أن الحديث - عنده هو مثل الكتاب، «فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه: قَبِل عن رسول الله سننه، بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه. ومن قبل الله قبل، لما افترض الله من طاعته» (4). ولذلك تراه يحصر البيان الإلهي
عن رسول الله
فعن
على الشكل التالي:
)
فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبّدهم به … من وجوه:
فمنها ما أبانه لخلقه نصاً، مثل جملة فرائضه …
(1) ابن حجر، توالي التأسيس، ص 152.
(2) المرجع السابق، ص 72 - 73.
(3) انظر: الشافعي، الرسالة (طبعة شاكر وهي المرادة عند الإطلاق)، ص 8 - 20.
(4) المرجع السابق، ص 33، وهو يكرر هذا المعنى كثيراً، وفي أكثر من كتاب: انظر: الشافعي، اختلاف الحديث، (مع كتاب الأم، طبعة رفعت فوزي)، 5/ 10 وجماع العلم (مع الأم)، 5/ 9، و 43.