النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٩نظرية السُّنَّة عند الإمام الشافعي
د. معتز الخطيب
79
ومنه ما أحكم فرضه بكتابه وبيّن كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها …
فبفرض
الله قبل.
ومنه ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس الله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم .... وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلّا بالاستدلال … ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يُحدثه لا على مثال سبق».
3 - وفي هذا الوجه الأخير، تَخَلُّص من إشكال أن النصوص المنزلة قد لا توفر إجابة مباشرة على كل ما يستجد من نوازل، ولكن بما أن الله مقاصد من عباده مودعة في النص المنزل حصراً لا تخرج عنه، وبما أن الشافعي لم يرتض طريقة أهل الرأي في الاجتهاد المنفتح، ضبط عملية الاجتهاد تلك بجملة ضوابط فارق فيها مذاهب عصره، ولذلك «اتفق الناس على أن الشافعي كان أول من صنّف في أصول الفقه، وهو الذي رتب أبوابه، وميّز بعض أقسامه عن بعض، وشرح مراتبه في الضعف والقوة … ووضع للخلق قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، ولم يكن للناس قبله قانون كلي يرجعون إليه، تتلخص
عملية الاجتهاد عنده في الآتي:
فالاجتهاد عنده هو مرادف للقياس.
وهذا القياس هو طريقة للاستدلال، وهو الطريقة الوحيدة المشروعة في التفكير الفقهي، والقياس منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود».
والقياس لا يكون إلا على ظاهر الخبر لا باطنه، أي هو قياس جزئي وليس قياساً على القواعد الكلية، أو قياس الأصول مما يستعمله أهل الرأي.
وهو قياس لا يقوم على استثناء، ومن ثم فالأحاديث التي تمثل استثناءات ينبغي استبعادها من دائرة القياس، ولذلك كان معنيّاً ببحث مسألة الخبر الذي يقاس عليه والخبر الذي
لا يقاس عليه».
وبهذا وجه الشافعي للرأي أول هجوم قوي جعل العديدين يرجعون عن «بدعة الرأي»، وهو ما تؤكده العديد من الأخبار، مثل قول أبي ثَوْرٍ: «كنت أنا وإسحاق بن راهويه، وَحُسَيْنُ الْكَرَابِيسِيُّ
(1) الشافعي، الرسالة، ص 21 - 25.
(2) الفخر الرازي، مناقب الشافعي، ص 153 157، وانظر: البيهقي، مناقب الشافعي، ج 1، ص 368.