النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧٧

777

|

مراحل التاريخ الفقهي وتاريخ الفقه عند كولسون وأندرسون.

أ. د. محمد أحمد سراج

أما المرحلة الأخيرة لتطور التشريع الإسلامي في العصر الحديث فيخصص لها كولسون القسم الثالث من تاريخه. ويفتتح هذا القسم بسرد تطورات الصدام بين النظم القانونية الغربية والتشريع الإسلامي التي انتهت إلى إلجاء تطبيق هذا التشريع إلى مجال الأحوال الشخصية. وينسب كولسون هذه التطورات إلى قوى الاحتلال الأوروبي، مع عجز التشريع الإسلامي عن التلاؤم مع المفاهيم والمعايير الغربية بعد ازدياد احتكاك المجتمع الإسلامي بالقيم الغربية. وهذا خطأ واضح في التحليل؛ إذ يتضح لكل أحد أن التشريع الإسلامي قد بدأ يتخذ خطوات تنظيمية وتنفيذية متطورة على النحو الذي مثلته مجلة الأحكام العدلية وقانون نامة، متزامناً مع ما حدث في دول أوروبية عديدة مثل ألمانيا وإيطاليا، اللتين صدر قانونهما المدني بعد منتصف القرن التاسع عشر. ومن الأخطاء المنهجية التي وقع فيها كولسون في رصده لظاهرة الاستمداد من القوانين الأجنبية، اعتقاده قبول المسلمين لهذا الاستمداد ورضوخهم له. ويغفل مثل هذا التحليل الجهود العلمية الرصينة التي بذلها العلماء في إجراء المقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي بمناهج إبراز الاتفاق (مخلوف المنياوي) أو الاختلاف قدري باشا، أو الجمع بين الاتفاق والاختلاف (سيد عبد الله حسين التيدي). وقد قمت مع الأستاذ الدكتور علي جمعة بنشر اثنين من هذه الأعمال، وبصدد نشر ثالثهما. وهناك كذلك تقنينات قدري باشا للأحوال الشخصية والمدنية. وهناك كذلك دور القضاة في تفسير النصوص القانونية الغربية الأصل وفق ثقافتهم الأخلاقية والدينية، وهو أمر كان له أثره كذلك في توطين هذه القوانين، أو تمصيرها (في حالة مصر) طبقاً لما يذكره عبد الرازق السنهوري في مقدمة وسيطه. ويمثل منهج المقارنة بين الفقه الإسلامي والنظم القانونية الغربية، على النحو الذي ازدهر لدى خريجي مدرسة الحقوق الخديوية الذين لحقوا بإدوارد لامبير في مدرسة ليون، نوعاً من المقاومة الواضحة لهذا الاحتلال التشريعي، بتعبير العلامة السنهوري، وهو ما أدى في النهاية إلى ازدياد الاعتراف بمرجعية التشريعات الإسلامية في القوانين العربية والإسلامية على النحو الذي تشهد به المذكرات التوضيحية لعدد من القوانين المدنية العربية، كالقانون المدني العراقي والكويتي والسوري والأردني، وحسبي أن أشير في المجال القضائي إلى أحكام المحكمة الدستورية المصرية واللغة الفقهية التي تستخدمها وطرق تفسيرها للنصوص القانونية للبرهنة على أن البلاد العربية والإسلامية لم في اتجاه استعادة استقلالها التشريعي. لقد غابت هذه الجهود الرصينة عن كولسون، أو تجاهلها، رغم أن تحليلاته لتطبيق الشريعة في الوقت الحاضر ولمناهج هذا التطبيق من حيث التخير من المذاهب الفقهية أو التقليد والتجديد كان يستدعي الالتفات إلى أساليب التقنين والمقارنة والتخير من المذاهب والاجتهاد وعمل المحاكم العليا لتقديم صورة أدق عن مجمل تطور التفكير الفقهي في العصر الحديث.

تستسلم

مطلقاً