النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧٨

778

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

5 - إسهام كولسون في تطوير دراسة تاريخ التشريع الإسلامي

لا يستقيم فهم منهج كولسون في دراسة تاريخ التشريع الإسلامي من دون تحديد السمات العامة لتناوله هذا التاريخ، ومقارنة هذه السمات عنده بمناهج بعض البارزين من الكاتبين في هذا العلم، من أمثال: محمد الخضري، ومحمد يوسف موسى، وأستاذي السايس، وعبد العظيم شرف الدين. وتتمثل أولى سماته في هذا المدى الزمني الذي يتسع له تاريخه من جهة إبرازه مسيرة هذا التشريع في العصر الحديث، حتَّى إنه يخصص ثلث كتابه بالكامل لتناول التطورات الحديثة والمعاصرة، فضلاً عن الإشارة إلى اتجاهات مستقبل تطوره لفهم الاختيارات المتاحة والانتقاء منها. وتتضح أهمية هذه السمة عند مقارنتها بمنهج من أشرنا إليهم ممن يقفون بتاريخ التشريع الإسلامي عند مشارف العصر الحديث. ويلقي هؤلاء أكثر الضوء على فترتي التأسيس الأول وتكوين المذاهب وصولاً إلى نهاية المطاف بسيطرة التقليد المحض، ابتداء من سقوط بغداد حتّى الآن. وهذا هو ما قد أراده الشيخ محمد الخضري في كتابه تاريخ التشريع الإسلامي الذي ميز فيه بين ستة أدوار مر بها هذا التشريع: أولها: فترة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وثانيها: عصر كبار الصحابة منذ عام 11 حتَّى عام 40 هـ، والثالث: عصر صغار الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين، ورابعها: عصر تدوين السنة وأصول الفقه، وظهور المذاهب الفقهية الأربعة واتباعها والخامس: القيام على المذاهب وتأييدها من أوائل القرن الرابع حتَّى سقوط بغداد. أما الدور السادس الأخير: فهو دور التقليد المحض الذي يمتد من سقوط بغداد حتى الآن. ولا يفيد هذا التقسيم النظري في تعقب حيوية التشريع الإسلامي في الواقع العملي، ولا في إدراك آليات التطور التي اعتمد عليها في استجابته للمصالح الاجتماعية المتطورة، كما أنه لا يهدي الباحث المعاصر إلى فهم ما يجري من تطبيقات لأحكام الفقه الإسلامي في القوانين المدنية العربية، سواء في ما تصدره المحاكم من أحكام تأثر فيها القضاة بمفاهيم الفقه الإسلامي في تفسيراتهم للنصوص القانونية، أو في صياغة هذه النصوص القانونية ذاتها المتأثرة بنظريات هذا الفقه، طبقاً لما تشير إليه المذكرات الإيضاحية لهذه القوانين.

وتتمثل السمة الأخرى لمنهج كولسون أثناء تعقبه تطور التشريع الإسلامي في تحليل مظاهر هذا التطور وربط التفسيرات والاجتهادات الفقهية بالواقع الاجتماعي الذي برزت فيه. وقد كان هذا الربط من الأسس التي استخدمها السنهوري في مطالبته بوجوب استعادة الفقه الإسلامي الأرض التي فقدها بفرض المحتل قوانينه الغربية الأصل. ويبرهن كولسون على مشروعية هذا الربط بالالتفات إلى العديد من الأدوات الفقهية والأصولية التي تشمل كلاً من الاعتراف بالمصالح والمقاصد والاستحسان والأعراف والحيل، وقواعد الضرورة والحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، وتغير الفتوى بتغير المكان والزمان والظروف. وقد أعان كولسون هذا المنهج