النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٧٩

مراحل التاريخ الفقهي وتاريخ الفقه عند كولسون وأندرسون

أ. د. محمد أحمد سراج

779

على اكتشاف آليات تطوير الفقه الإسلامي في استجابته للاحتياجات الاجتماعية بخلاف المنهج الوصفي التقريري الذي يشيع لدى من أشرنا إليهم من أكابر الأساتذة، والذي يعتمد تقديم المعارف والمعلومات الضرورية عن مراحل تطور التشريع الإسلامي، على نحو تتميز فيه كل مرحلة عن سابقتها بطبيعة شخصياتها، والمناهج النظرية التي سادت فيها. ولهذا يستطرد الخضري - على سبيل المثال - استطرادات متتالية إلى المناهج الأصولية والنماذج الاجتهادية لبعض كبار الصحابة والأئمة المجتهدين. ويؤدي هذا المنهج النظري بطبيعته إلى التركيز على رسم الإطار النظري العام من دون بذل اهتمام ممثل بالتفاصيل والتطبيقات العملية. وهذا هو المنهج الذي استحوذ على كتابات هؤلاء الأساتذة الكبار. وأظن أن إقصاء التشريع الإسلامي عن التطبيق في الفترة التي كتبوا فيها مؤلفاتهم مما شجعهم على الأخذ بهذا المنهج النظري الذي ينفصل عن الواقع التشريعي السائد، ولا يساعد على التفاعل معه لتطويره في اتجاهات تطبق العدالة الإسلامية. وجدير بالذكر أيضاً أن هذا المنهج يتجاهل ما تم من تفاعل بين المذاهب السنية وبينها وبين غيرها من المذاهب الأخرى، ولهذا تظل الصورة التي يقدمها أصحاب هذا

المنهج

ناقصة

في

أقل ما توصف به.

منهجه

أما السمة الأخيرة التي يلزم التنويه بها فتتمثل في استبعاد كولسون من تاريخه جوانب العبادات والأخلاقيات التي لا يحق للمحاكم فرضها أو الإلزام بها. إن كولسون أمين مع الذي التزم به في دراسة التشريع الإسلامي بمنهج قانوني يماثل مناهج الدراسات المتبعة في فهم النظم القانونية الراقية. وهو لهذا يركز على التطور الفقهي في ما يتعلّق بالعلاقات القانونية بمعناها الفني المحدد لها وليس هذا فحسب، بل إنه يطالب إلى جوار ذلك بفرض المزيد من التخصص في دراسة جوانب الفقه الإسلامي المتشعبة، أسوة بما عليه الحال في الدراسات القانونية المتخصصة في مجالات قانونية بعينها، كالجنائي والمدني والإثبات والإجراءات وما إلى ذلك. لقد ولى زمن الفقيه الملم بكل شيء بعد تعقد العلاقات، واتساع آفاق التعامل الإنساني. وفي اعتقادي أن استعادة تطبيق التشريع الإسلامي سيؤدي إلى تقدير الحاجة إلى هذا المقترح.

6 ـ ملاحظات أخيرة

رغم هذا كله فإنني أعتقد مع الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا إن منهج كولسون في تحليلاته التاريخية للتشريع الإسلامي هو أجدر المناهج بالبحث والدراسة عند إرادة النظر في مناهج المستشرقين في الدراسات القانونية الإسلامية»، وذلك أنه يدرس التشريع الإسلامي بمنهج قانوني، نظاماً قابلاً للتطبيق في العصر الحديث، لاشتماله على القيم اللازمة لبناء أي مجتمع متحضر. ولا شك في تأثر كولسون إلى حد كبير بالتراث الاستشراقي في العديد من الأمور التي

وير