النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٨٢

782

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الفقهية الخاصة، كما سيأتي في بيان رأي كل منهما، وحيث إن تعليقات الدكتور عطية جاءت بعد وفاة الإمام أبي زهرة رحم الله فإن ذلك يستدعي النظر فيما كتبه المتأخر من تعليقات على المتقدم، ومناقشتها في هذا السياق والموازنة بينهما. ونشير أيضاً إلى أن هناك من العلماء من يشكك في صواب استعمال مصطلح النظرية في مجال الفقه والعلوم الشرعية، ظناً منهم أن هذا الاستعمال هو في غير موضعه وموضوعه، ورفضاً منهم في تعريض الفقه لما تتعرض له النظريات العلمية من تغيير في المجالات العلمية التجريبية، أي بسبب ما يمكن أن تحمله هذه الكلمة، أو هذا المصطلح من إساءة للشريعة الإسلامية، أو لبس في الفهم، أو غموض في بيان فكرة الباحث أو العالم، مما سوف نناقشه في هذا البحث، ولكنا نبدأ بتعريف ما نحن بصدده حول النظرية الفقهية، بهدف بيان مفهوم كلمة النظرية وإمكانية توظيفها في المجال التداولي في العلوم الفقهية والإنسانية، سواء بسواء مع العلوم التجريبية وإن وجدت فروق بينهما.

مفهوم النظرية لغة واصطلاحاً

أصل جذر كلمة النظرية لغة من النظر والنظر: حس العين … والنظر: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك .. ، والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام، وما كان بالبصائر كان للمعاني، وهي بمعنى التفكر والتأمل، قال الأصفهاني: «النَّظَرُ تَقْلِيبُ البَصَرِ وَالبَصِيرَةِ لإدْرَاكِ الشيء وَرُؤْيَتِهِ، وقد يُرَادُ به التَّأمُّلُ والفَحْصُ، وقد يُرَادُ به المَعْرِفَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ الفَحْصِ وهو الرَّوِيَّةُ،

يقالُ نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ أَي لم تَتَأَمَّلْ ولم تَتَرَوَّ، وقولُهُ: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [يونس: 101] أي تَأَمَّلُوا … وَيُسْتَعْمَلُ النَّظَرُ في التَّحَيُّرِ في الأمُورِ نحو قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 155، وقال: {وَتَرَكَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف: 198] … والمُنَاظَرَةُ: المُبَاحَثَةُ وَالمُبَارَاةُ في النَّظَرِ وَاسْتِحْضَارُ كُلِّ مَا يَرَاهُ بِبَصِيرَتِهِ، وَالنَّظَرُ البَحْثُ وهو أعَمُّ مِنَ القِيَاسِ لأَنَّ كلَّ قِيَاسِ نَظَرٌ وليسَ كلُّ نَظَرٍ قِيَاسا».

فالنظرية بالمعنى اللغوي ما يتوصل له الباحث والمتأمل من نتائج بحثه وتأمله، والنظرية: هي ما يتوصل إليه الباحث المختص في مجال تخصصه من آراء وأفكار في موضوع بحثه، فإذا كان البحث في مجال العلوم التجريبية فإن ما يتوصل إليه من نتائج هو نظرية علمية تجريبية، وكذلك

218/ 5

(1) انظر: ابن منظور؛ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم لسان العرب، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1414 هـ/1994 م، (2) الأصفهاني: الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم دمشق، الطبعة الثالثة، 1423 هـ/2002 م، ص 55.