النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٧٩٨

798

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

تشير الثقافة في

هذه العلوم إلى منتج مادي، وإلى تأريخ إمبريالي، وباتت تشير مؤخرا إلى دراسات ثقافية، يدل فيها المصطلح على نظم إنتاج رمزية ودلالية ومع ذلك، يرى ويليامز ضرورة أن يربط الباحثون بين هاتين الفكرتين عن الثقافة بدلا من التعامل معهما كنقيضين.

ولما كانت الحضارة هي معيار التقييم المتاح، فإن تصوير تاريخ العرب وثقافتهم، من الخارج أو بأيدي العرب أنفسهم، سوف يتحدد بناء على نقيضين. إذ يقول الباحث الألماني رينهارد شولتزه: إن ثنائيتي الانحطاط / النهضة والتقاليد الحداثة، سوف تحددان ذلك التصوير باعتبارهما «الأساس الذي يقوم عليه مفهوم للتاريخ الثقافي يعكس بطبيعة الحال، التفسير السياسي [الأوروبي] لتيار التطور التاريخي في القرن التاسع عشر). وقد كان استلهام تلك المعرفة (الإبستمولوجيا) الزمانية وثيق الصلة بالاستعمار وقرينه الاستشراق، إذ كان الأوروبيون هم من «اكتشف» انحطاط العرب بل أن نابليون حاول إضفاء المشروعية على غزوه مصر سنة 1798 م قائلا: إنه قلق على البلاد من الهمجية والانحطاط اللذين وصلت إليهما على أيدي الأتراك، وإن من واجب فرنسا تحرير أبناء هذا البلد. لكن المصريين لم يشاطروه الرأي كما هو حال عبد الرحمن الجبرتي (1754 - 1826 م)، المؤرخ المصري للغزوة النابليونية.

وقد رأى الأوروبيون أن العالم الإسلامي هو الآخر اكتسب ثقافة بفضل السياسات الاستعمارية، التي استهدفت تحديث البرابرة، وإن احتفظ في الوقت نفسه بالكثير من التقاليد أو «اللاثقافة». لكن كما يوضح شولتزه، فيما كان مفهوم الثقافة يُعمَّم تدريجيا في أوروبا، ويؤدي إلى تطوّر مفهوم عالمي تحليلي، فقد ربطت التقاليد الإسلامية بالثقافة. مع ذلك فجوهر الفصل بين الانحطاط التقليدي والنهضة الحديثة لم يتغير. وهكذا فإن النظرة الأوروبية إلى العالم هي التي حددت الهوية الإسلامية. يعبر وائل حلاق عن هذا المنحى بالقول: «من أجل الظفر بالهيمنة على العالم الإسلامي كان من الضروري الهيمنة على نظامه المعرفي وحكام بتكبيل العقل فيه آخر تكبيل، من خلال اختلاق تاريخ للشريعة الإسلامية صفتها الجمود لا بل التعفن، ولا جرم أن موافقة هذا الوصف إنما هو تفويض مطلق للمحتل الاستيطاني باستبدال شرائع مستوردة من وراء البحار بشريعته المتواشجة مع تاريخه الأصلي ولغته وطبيعته … لكن المدهش فعلا أن تتسلل الدعاوى الاستشراقية

(1) رينهارد شولتزه، «ثقافة الجموع والنتاج الثقافي الإسلامي في الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر»، في كتاب ثقافة الجموع، والثقافة الشعبية والحياة الاجتماعية في الشرق الأوسط:

Reinhard Schulze، «Mass Culture and Islamic Cultural Production in the Ninteenth-Century Middle East،» in Mass Culture، Popular Culture، and Social Life in the Middle East، ed. George Stauth and Sami Zubaida (Boulder: Westview Press، 1987)، 189.

(2) انظر نيقولا الترك، ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية (بيروت: دار الفارابي، 1990) 30 - 31، وقد أُلف هذا الكتاب في نهاية الحملة الفرنسية ونُشر للمرة الأولى في فرنسا عام 1893. راجع أيضاً كتاب عبد الرحمن الجبرتي، تاريخ مدة الفرنسيس بمصر، محرم - رجب 1213 هـ، والذي ألفه أثناء الاحتلال الفرنسي.