النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٧٩٩الأسطورة والإحالة أسس نقد الاستشراق لدى وائل حلاق
أ. محمد زاهد جول
799
لجمع غفير من المسلمين، سواء أكانوا من أصحاب السلطة أم من الحركات الفكرية: إسلامية وقومية وماركسية وليبرالية.
ما ذكره حلاق يلخص ما حدث في هذا السياق الاستعماري، فقد شرع المثقفون والباحثون العرب في التنقيب عن أدلة يمكن أن تنقُض، وتشكّك، وتطعن في الادعاءات والاستنتاجات الاستشراقية التي صاغت مفهومي (الحضارة» و «الثقافة العربية وأنزلتهما درجة دنيا من درجات السلم الحضاري الأوروبي. وسوف يردّ المفكرون العرب بتوظيف عدد من الاستراتيجيات، بما في ذلك تفسير بعض الظواهر الثقافية التي اعتُبرت مشينة، إما بالتأكيد على كونها لا تمثل «حضارة» العرب تمثيلاً صادقاً، أو باعتبارها سلعاً مستوردة أفسدت «الثقافة العربية النقية؛ أو ظواهر عالمية، وُجدت بين العرب كما وجدت، أو لا تزال موجودة بين الأوروبيين وغيرهم.
مع
ذلك، فإن أنجح الآثار التربوية التي سيورثها الاستشراق والمواجهة الاستعمارية لأولئك المفكرين العرب لم تتمثل بظهور رد فعل عربي يسعى لإعادة كتابة التاريخ من زاوية قومية، وإن كان ذلك أثرا لا يستهان به، وإنما في الصلة المعرفية الإبستمولوجية) التي ورثها لهم، والتي ستغدو المرجعية الرئيسة لكل ما يبذله هؤلاء المفكرون من جهود بحثية في التراث. إذ أخذ هؤلاء الكتاب العرب يعالجون القضايا المطروحة عن طريق اعتناق تلك الأفكار التي اخترعها الأوروبيون حديثاً عن «الحضارة» و «الثقافة» من دون مُناقشة أو مُساءلة، ومن ثم إدراجها في لغة الداروينية الاجتماعية:
«التطور»، «التقدم»، «الارتقاء»، «التنمية»، الانحلال»، وفوق كل شيء (الانحطاط» و «النهضة». وهكذا، فإن المفكرين العرب قبلوا الفرضية التي تزعم أن القرن الثامن عشر كان قرن انحطاط، واستخدموها لإضفاء الشرعية على منتجهم الثقافي الخاص (النهضة). كانت النهضة تتطلب وجود مفهوم الانحطاط الثقافي، إذ كيف يمكن دون ذلك، تبرير الدعوة للتجديد الثقافي؟ … إضافة إلى ذلك، كان مفهوم النهضة المعاصرة يتطلب اكتشاف حقبة «كلاسيكية» في الماضي البعيد يمكن إحياؤها في الحاضر. وهكذا، وتشبهاً بالمفاهيم الأوروبية للنهضة، رجع المفكرون الإسلاميون في القرن التاسع عشر إلى عصر ذهبي للإسلام. لكن حتى في هذا الإطار، قدم المستشرقون الأوروبيون عوناً ثميناً بأن شرحوا لهم أحوال ذلك العصر الإسلامي الكلاسيكي، وكيفية فهمه وتقييمه تاريخياً.
ويقول شولتزه: إن الاستعمار دمَّر النخبة العربية المثقفة في ذلك الوقت وقضى على مادتها البحثية الرئيسة، ألا وهي المخطوطات المنسوخة يدوياً، بعد أن أدخل المطابع الآلية عام 1821
(1) د. وائل حلاق، السلطة المذهبية، ص 10.
Schulze، <<Mass Culture and Islamic Culture Production» 191 - 192.