النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٠٠

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

800

أيضاً

ونشر الكتاب المطبوع ولا يقتصر الأمر على المطبعة الجديدة في القاهرة فحسب، وإنما يتكرر في حلب وبيروت والقدس). إذ ستخلق الكتب جمهوراً من نوع جديد، مثقفين يرون الجيل السابق عليهم مجمد الفكر، محبوساً داخل المخطوطات القروسطية جمهور يحكم على الكتاب المطبوع باعتباره معيار الحداثة الحضارية. وهكذا، سرعان ما سيتأثر السوق المحلي بالنمط الاستهلاكي الجديد للكتب، بما فيها «الكلاسيكيات الجديدة للتاريخين العربي والإسلامي، الذي كان ـ في السابق - حكراً على نحو ما على مستشرقين وجامعات أوروبية كانت تشتري معظم النسخ المطبوعة في مصر. ومع انتشار البعثات التعليمية الجديدة التي ترسل الشباب العربي إلى أوروبا، وتطبيق النظم التعليمية الأوروبية في البلدان العربية، سرعان ما سيظهر جمهور جديد من القراء. وعليه فإن «الثقافة التي أُنتجت قبل 1821، العام الذي يمكن أن نطلق عليه عام «القطيعة» في تاريخ الثقافة المصرية، لم تعد بنفس قيمة الثقافة التي انطلقت في فترة ما بعد 1821. ولما كانت ثقافة ما قبل 1821 غير قابلة للقياس بمعايير الثقافة الأوروبية، لم يعد من بد من النظر إلى القرن الثامن عشر باعتباره عصر انحدار، وجزءا من الانحطاط الإسلامي العام» (1).

وباعتناق هذه النظرة إلى العالم، استلهم المثقفون العرب النظرة المعرفية (الإبستمولوجية) التي ابتكرها الأوروبيون، وأصدروا من خلالها أحكاماً على الحضارات والثقافات، فمنذ أن بدأ المفكرون والسياسيون العرب يرددون أطروحات كلام المستشرقين الأوروبيين، ويصفون الغزو النابليوني لمصر في عام 1798 بأنه «الصدمة» الأولى التي «أيقظتهم»، من «سباتهم» و «نومهم» الطويل، وقادتهم إلى عالم ينبغي عليهم فيه مواجهة «تحدي» الغرب، كانت المهمة التي هيأوا أنفسهم لها هي مواجهة هذا التحدي عن طريق اللحاق بأوروبا. وربما كان السؤال الشهير: «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ الذي طرحه شكيب أرسلان عام 1906، يلخص هذه المعضلة، التي ما زالت تبحث عن حل حتى يومنا هذا. وأما الثنائية التي دار حولها ذلك الجدل فتتمثل في التراث والحداثة المعاصرة. وهل ينبغي التخلّي عن أحدهما في سبيل الآخر، أم أنه يمكن أن يجتمع الاثنان في مجموعة متنوعة من المعادلات بما يضمن «التقدم المنشود؟ لقد تباينت الإجابات التي ظهرت خلال القرن ونصف قرن الماضية في بساطتها وتعقيدها لكنها، عموماً، وطبقاً لمن طرحها، فشلت في تحقيق هدفها المنشود: ألا وهو، «التقدم» و «الارتقاء». ونتيجة لذلك، لم تختف تلك الأسئلة، بل واصلت معاودة الظهور بصور شتّى في صلب السجالات العربية الفكرية والسياسية التي تدور بين المفكرين العرب حتى هذه اللحظة. ويحتشد المسرح

Ibid، 198.

(1)

(2) شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم (بيروت: الحياة، 1975). وللاطلاع على تحليل مهم لتلك المعضلات في الإنتاج الفكري العربي انظر عبد الله العروي في كتابه الكلاسيكي، الأيديولوجية العربية المعاصرة:

- Abdallah Laroui، L'ideologie Arabe Contemporaine (Paris: François Maspero، 1967.