النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٠٦806
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
1 - كلمة حول القواعد الفقهية
إن القاعدة الفقهية، سواء عرفناها بكونها حكماً أو أصلاً أو أمراً، أو قضية كلية منطبقة على كل جزئياتها أو أكثرها، هي: ما تعارف عليه أهل الفقه من مبادئ وأصول تختلف عما تدل عليه القواعد الأصولية، أو النظريات الفقهية من جهة، ولكنها تتداخل مع الضوابط والأشباه والنظائر الفقهية، بعيداً عن الجدل حول قيود هذا التعريف وصفة الكلية والغالبية فالقاعدة ليست إلا تلك الصيغ التي قررها أصحاب التقعيد الفقهي من مثل «الأمور بمقاصدها»، و «اليقين لا يزول بالشك»، و «الضرر يزال»، و «المشقة تجلب التيسير» … ومثلها الكثير والكثير، وسواء أكانت هذه القواعد أصلية عليها أو مدرجة مختلفاً فيها بين المذاهب، أو تلك التي تفرد بها أهل مجمع
مذهب من دون غيرهم.
ومن الناحية التاريخية فقد مرت القواعد بمعناها العام الذي لا يفرق بين القاعدة في حد ذاتها وبين الضابط الفقهي والأشباه والنظائر بمرحلة جنينية، حين كانت مجرد أفكار ذهنية تنطوي عليها جملة من آيات القرآن الحكيم على وجه الخصوص، وتلك التي تتعلّق بالأحكام ومثلها الأحاديث النبوية الشريفة، ثم اجتهادات الجيل الأول من الصحابة والتابعين المستندة إلى روح النص ومقاصده ودلالاته؛ ليقف عليها بعد ذلك في عصر التدوين من أوتي من العلماء قوة الملاحظة والقدرة على التركيب والتأليف بين المتباعدات، مما فتح الباب لمن جاء بعدهم لمزيد الكشف عما بين القضايا الجزئية من علاقات الأشباه والنظائر وعلل مشتركة وترجيح بين أقوال الفقهاء وآرائهم، ومقارناتهم واستقراءاتهم للنصوص وحكمة الشريعة وأسرارها، فجاءت في أول أمرها أفكاراً توجيهية تحدد معالم الطريق للاجتهاد والفتوى؛ لتصاغ الفكرة في مرحلة ثانية في صورة بسيطة ستشهد مع الأيام مزيداً من الصقل وتدقيق العبارة لتصلنا على ما هي عليه نصوصاً موجزة أحكاماً تتضمن تشريعية عامة في الحوادث التي تندرج تحت موضوعها، وقد حظيت باهتمام المشتغلين بالموضوع التشريعي حين أدركوا قيمة هذا الباب من أبواب المعرفة الفقهية في تيسير تصور مسائل الفقه، والوصول إلى أحكامها وتكوين ملكة فقهية قوية تنير أمام الباحث الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة، ثم لتتحول القواعد من وسائل توظف إلى موضوع يدرس ويبحث في طبيعته وإمكانية الاستدلال بالقواعد على النوازل المستجدة، وفي كونها رديفاً لأصول الفقه على ما بينهما من اختلافات ضبط أكثرها من اشتغل بالمقارنة بينها، فقد عدها البعض من حقيقة علم أصول الفقه، وجعلهما في مرتبة واحدة يرتقي بها الفقيه إلى درجة الاجتهاد فتعتمد في الاستدلال والاستنباط سواء كان مبناها النص أو غيره خلافاً لمن شكك في هذه المرتبة. واستمر علم القواعد في تطوره من خلال التفريع والتنقيح في الصياغة، حتى وصلنا على الوضع الذي هو عليه وعكف العلماء على شرحها وتلخيصها، ووصل بهم الأمر إلى نظمها