النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٠٩

809

|

دور القواعد الفقهية في تطوير النظريات

د. مهني بن عمر التيواجني

ليأخذ مكانه في إطار البحث الفقهي العام، وأما في ما يتصل بالعلاقة بين القاعدة والنظرية الفقهية فإنهما يشتركان في كونهما ثمرة للمنهج الاستقرائي والتركيبي البنائي، فقد تتبع الباحثون الثروة التشريعية عبر تاريخ الفقه ولاحظوا التوافق بين كثير من المسائل في العلل والدلالات والحكم والأسرار، فانقدحت في أذهانهم فكرة القاعدة باعتبارها الخيط الناظم للمسائل المتحدة الحكم، وإن اختلف موضوعها والنظريات الفقهية بدورها كانت وليدة المنهج الاستقرائي نفسه الذي استدعى إعادة صياغة هذه الثروة بما يقتضيه واقعنا الفكري الجديد بكل عناصره القديمة والحادثة. إن انبثاق كل من القاعدة والنظرية الفقهية من نفس المنهج البحثي أوحى إلى البعض بفكرة الترادف بينهما مخالفين بذلك الأكثرية القائلة بالتباين والاختلاف فالنظرية عند هؤلاء أشمل وأوسع نطاقاً فهي تشتمل على أركان وشروط، وهي دراسة وبحث وتجميع لما تفرق وتوزع بين أبواب الفقه وفصوله ومسائله وتنبيهاته، مع إضافة عنصر المقارنة مع الأجنبي فرضه قانون التأثر والتأثير بين الثقافات الذي لا يمكن إنكاره أو رفضه بدعوى التميز والخصوصية، وإنما يجب أن نقبله في إطار جدلية الثابت والمتغير. أما

في ما يتصل بالقواعد فإنها أقدم نشأة وتدويناً مقارنة بالنظريات. فقد ظهرت في وقت مبكر واستمرت إلى عهد متأخر تحقيقاً وصياغة وترتيباً وتمثيلاً وتخريجاً. وهي وإن سلمت إلى حد بعيد من المؤثرات الخارجية خلافاً للنظريات فإنها تمتاز عن هذه الأخيرة بكونها استوعبت كل أبواب الفقه واستنبطت من فقه العبادات وفقه المعاملات بمواضعه المختلفة. فالقاعدة تجمع في تناسق بديع بين علاقة المسلم بربه وعلاقته بالمجتمع خلافاً للنظريات التي اعتنت بالجانب الثاني بوجه خاص بحيث لا نجد نظرية فقهية في باب من أبواب العبادات ربما لخصوصية هذا الجانب من الفقه وكون أكثر مسائله توفيقية تعبدية لقد منحت هذه الشمولية ميزة للقواعد الفقهية وجعلتها شرطاً من شروط الاجتهاد وآلية من آلياته فهي تيسر الوصول إلى المطلوب من علم الفقه وفهمه وضبطه وتمكن من التحكم في المسائل الفقهية وأسرارها وتشجع على دراسة الفقه والإقبال عليها. وهذه المقاصد من تقعيد القواعد هي نفسها الغاية والهدف من صياغة الفقه الإسلامي على طريقة النظريات رغم الطبيعة المختلفة لكلتا الحقيقتين. إن علم قواعد الفقه الذي كان في أيامه الأولى نقلة نوعية وابتكاراً له مكانته في البحث الفقهي جعل عقول الدارسين المحدثين مهيأة لإعادة قراءة التراث الفقهي قراءة عصرية وفق مقاربة جديدة عوضت نسبياً الطرح التقليدي للثروة التشريعية.

لقد كانت القواعد الفقهية وستظل على الدوام دليلاً على حيوية العقلية الفقهية، وظهور فكرة التأصيل، وإن لم تبلغ مستوى تقديم تصور فكري عام يوحد، وينسق بين عناصر ومعطيات جزئية يكون سابقاً للممارسة أو مسايراً لها، أو تقديم نسق منطقي من شأنه أن يجعل الأحكام الفرعية المفرقة جزءًا من تركيب كلي ومترابط. وهذا النقص الملاحظ في القواعد جاء منهج التنظير