النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٢٦

826

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ب ـ في مجال المعاملات:

وأما في المعاملات فنجد أنّ نظرية نفي الضرر حاضرة في معظمها؛ إن لم يكن في جميعها. وهذه تقولات مما ذكره الفقهاء والعلماء في هذا المجال، وهي على سبيل الإجمال). فقد ذكر الشاطبي: «إن الضرر والضرار مثبوت منعه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات، وقواعد كليات في الشريعة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِنَعْنَدُوا﴾ [البقرة: 231]. ومنها: النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضرار. ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل (2)، مباشرة أو تسبيباً، كما في شهادة الزور)، والسعاية عند السلطان)؛ لما يترتب عليها من أضرار مادية ومعنوية بالآخرين.

وذهب جمهور الفقهاء إلى منع كل تصرف - ولو في ملك الإنسان - يؤدي إلى لحوق ضرر بالغير، فمنعوا إحداث اصطبل حيوانات عند باب الجار، أو إنشاء مدبغة في وسط البيوت، وكذا إنشاء كنيف أو مجرى مياه قذرة في طريق المارة؛ لما في كلّ ذلك من الرائحة المؤذية، ومنه دخان الأفرنة). كما منعوا إنشاء رحىً كبيرة قرب جدار، أو طاحونة أو نحوها، مما يعتمد الطَّرق المتواصل، أو الدق الشديد المضرّ.

ونقل الكمال بن الهمام الإجماع على منع ذلك؛ لتضرر الأبنية) بالحركة الشديدة، فضلًا عن الأذى الذي يتسبب من حركتها، ويلحق بذلك كل ما يسبب إثارة الغبار الكثيف، أو انبعاث الدخان الكثيف أو نحوه، مما يؤدي إلى تلوّث الجو، والتأثير على صحة الناس وراحتهم وسلامتهم. وهذا يستدعي إبعاد المعامل والمصانع من داخل المدن إلى خارجها إذا كانت تسبب تلوّثاً بما ينبعث منها من غازات أو دخان أو روائح مزعجة كالمجازر، وإلزام أصحابها باتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع تسرّب كلّ ما يؤثر على صحة الناس وسلامتهم، ويقتضي وضع التشريعات اللازمة

التي تحول دون حدوث تلوث البيئة، وضمان تطبيقها، دفعاً للضر عن عامة الناس.

(1) راجع نظرية نفي الضرر في الفقه الإسلامي المقارن، د. عبد الجبار أحمد شراره ص 190 - 192، والهوامش المذكورة في

النص بعهدته. (2) الموافقات: 4/ 2.

(3) النهي عن شهادة الزور ثابت، بل هي من الكبائر، روي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور رواه الترمذي: 3/ 2 برقم (965).

(4) حاشية الرملي على جامع الفصولين: 83/ 2.

(5) راجع: تبصرة الحكام، ابن فرحون: 362/ 2، نهاية المحتاج الرملي 333/ 5. مفتاح الكرامة شرح قواعد العلامة، 32/ 7. جامع الفصولين: 195/ 2 جامع العلوم والحكم: ص 287.

(6) فتح القدير: 414/ 6.

(7) تبصرة الحكام، ابن فرحون: 362/ 2. (8) جامع الفصولين: 191/ 2.