النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٣١

نظرية الضرر (لا ضرر ولا ضرار)

الشيخ عبد ا

الله

بن حمود العزي

831

فالممرُّ والمسيل مرتفق يمكن أن يستحق بالتعاقد أو القسمة في الملك المشترك، وغير ذلك من الأسباب المشروعة، فيُحترم قدمه عند جهل سببه، وضرر الخصم منه في تقييد حريته ويستحق أمثاله بعقد المعاوضة وغيره؛ لأنَّ كل حق يكتسبه شخص على آخر هو منفعة لمكتسبه، ونوع ضرر خاص للآخر، ومع ذلك يستحق عليه بعقد المعاوضة وغيره، ويورث عن مستحقه، ففي حالة القدم يمكن حمله على أنه في الأصل وضع بأحد الطرق المشروعة.

عليه

أما إضرار جماعة الناس وإزعاجهم في مرافقهم العامة؛ فإنه لا يمكن أن يُستحق عليه شرعاً

بوجه من الوجوه. وكذا الإطلال على مقرّ نساء الغير؛ فإنه فسق لا يستحق، ولا يقرُّه الشارع. ومثل ذلك ما لو كانت بالوعة الدار القديمة تنجس آبار الجيران؛ فإنّ قدمها على هذه الصورة لا يُحترم، كما نص عليه الفقهاء في هذا المقام إذ لا يجوز شرعاً تنجيس المياه الطاهرة من دون مصلحة، ولا يُستحق ذلك على أحد ولكن صاحبها يكلف إزالة ضررها بإصلاح مجراها، على شكل يضبطها ويمنع تسرّبها، فيبقى عندئذ مجرَّد مرورها من المنافع التي يمكن استحقاقها على الغير بوجه مشروع. فإن لم يمكن إصلاحها وضبطها، أو لم يفعله صاحبها تُزال».

الأمثلة

10 ـ حكم الضرر المماثل إذا لم يتقرّر لمن لحقه حق في منشأ الضر: وقد أشار الدكتور أبو سنة إلى هذه القاعدة في كتابه (قاعدتان فقهيتان)، وذكر من التطبيقية عليها: أن يسبق إنسان إلى شراء طعام أو كسوة أو دواء، أو إلى استئجار دار أو أرض، وهو يعلم أنه إذا فعل ذلك أضرّ غيره؛ لحاجته إلى هذه الأشياء. وإذ لم يفعل أُضَرَّ هو. أو يسبق إلى حيازة مباح، كالصيد والحطب والحشيش والماء على النحو السابق. أو أن يدفع ظلماً أنه يلزم من ذلك وقوعه بغيره

عن

نفسه؛ وهو يعلم وحكمها. - كما ذكر الشاطبي في (الموافقات) هو الجواز في نظر الفقه، واستحباب الاشتراك مع الغير أو إيثاره من الناحية الخُلُقية. ذلك لأن الفقه يقوم على إثبات حقوق النفس المشروعة، وحظوظها التي تتطلبها لحياتها العادية. أخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعطى الله أحدكم خيراً؛ فليبدأ بنفسه وأهل بيته» (3).

فمن الناحية الفقهية: حقُّ السابق مقدّم؛ وإن لحق غيره بذلك ضرر؛ لأنَّ جلب الإنسان لمصالحه ودفع المفاسد عنه مقصود للشارع لا محالة، كما يدل على ذلك قول الله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِن الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

(1) المدخل الفقهي العام: 999/ 2 - 1000.

(2) فإن كان الضرر المترتب ناشئاً من عمل مأذون فيه، ولا يُضَارُّ العامل بتركه فهي حال أخرى. (3) أخرجه مسلم 1354/ 3، برقم (1822). والطبراني في الكبير: 198/ 2، برقم (1803).