النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٣٢

832

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ويشير إليه أيضاً إباحة أشياء منعها الشارع للضرورة أو الحاجة كإباحة الخمر للمضطر، وجواز استقرار الدرهم بمثله إلى أجل وإباحة العرايا مع أن فيها شبهة الربا، وإباحة السلم مع بيع المعدوم. فإذا كان الشارع رخّص في المحظور لحاجة الإنسان؛ فأولى أن يكون له حق استيفاء المباح؛ ما دام لم يتقرّر فيه حق للغير، ولا يبالي بضرره؛ لأنّ الأول أحق منه بالسبق.

أنه

وبناءً على هذا؛ فسبق الإنسان إلى فعل ما يجلب مصلحة أو يدفع مفسدة، كالشراء والإجارة والحيازة ودفع الظلم؛ حق ثابت مشروع على وجه الإباحة، يجوز للإنسان أن يتعاطاه، كما يجوز له أن يسقطه، إلا إذا كان مضطراً إليه؛ فإنه يتعين عليه تعاطيه؛ لأنه أصبح واجباً عليه، صيانةً لنفسه أو دينه أو غيرهما من الضروريات.

وقد استأنس الشاطبي لهذا الحكم بفتوى الداودي الفقيه .. سئل: هل لمن فُرضت عليه ضريبة ظالمة أن يتخلّص منها؟ قال: نعم .. ولا يحل له إلا ذلك. قيل له: فإذا فُرضت ضريبة ظالمة على بلد كما كان يفعله السلاطين - واستطاع شخص أن يتخلص من دفع ما أصابه، لكنه يعلم أنه إن تخلّص جُعل نصيبه على أهل بلده؟ قال: له ذلك.

-

وفرعوا على هذا إباحة إعطاء الرشوة للظالم، ليدفع الظلم عن نفسه؛ إذا كان عظيماً يُدخل عليه الضرر في نفسه أو ماله، وإذا لم يستطع دفعه إلا بها.

مع

أنه

وفرعوا - أيضأ - إباحة دفع الفداء للمحاربين الكفار خلاصاً لأسرى المسلمين، إعانة لهم، وإباحة دفع الضريبة لمن يمنعون من حج بيت الله إذا تعينت طريقاً إلى الحج. وعندي أن هذه الثلاثة من باب الضرورات تبيح المحظورات).

والخلاصة: إن الموجود من الشارع في مسألة الخارجين؛ هو الإذن لمن سبق إلى الشراء أو الإجارة أو غيرهما، ولا يلتفت إلى ما ترتب على الحيازة من الضرر، لسبقه إلى خيره في شيء لم يتقرر للآخر حق فيه.

أما إن تقرّر لأحدهما حق فيه ـ كما في الأملاك ـ فيقدّم ذو اليد، وله أن يتصرف في ملكه بما أحب إلا أن يترتب عليه ضرر أشد من ضرر منعه من التصرف، أو يترتب عليه ضرر عام.

ومن صور الوجه الأول: إنسان بيده طعام، لم ترتق الحاجة إليه إلى حد الضرورة، وآخر مضطر إليه لإحياء نفسه .. يؤخذ منه الطعام جبراً بالقيمة، وليس له إمساكه.

ومن الثاني: إجبار المحتكر على بيع ما في يده للعامة؛ إذا كان يضرهم الاحتكار.