النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٣٣الحكم الخُلُقي:
نظرية الضرر (لا ضرر ولا ضرار»
الشيخ عبد ا
الله
بن حمود العزي
833
وأما الحكم الخلقي لهذه الحال - أي المبني على مكارم الأخلاق وإسقاط حظوظ النفس - فهو عدم اختصاص النفس بشيء من هذه الحظوظ، بل استحباب التسوية بين الإنسان وبين إخوانه ممن يعيشون معه .. فلا يسبق إلى حيازة شيء وحده، بل يكون كل خير يمكن نيله على الشركة. ويشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» () أي لا يكمل إيمانه. ووقعت أمثلة منه في عهده، فرُوي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الأشعريين كانوا إذا أرملوا في الغزو - أي قل طعام عيالهم بالمدينة - جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد، فهم مني وأنا منهم» (2).
والمعنى في هذا هو إحساس المسلم بالأخوة الإسلامية، وأن غيره بمنزلة أخيه أو ابنه؛ فيرى له من الحق ما لأحدهما. وكما أنه لا يقدر أن ينفرد بالقوت دون ابنه أو أخيه .. فكذلك هذا. وقوله صلى الله عليه وسلم: فهم مني أي: على سنتي ومسلكي من الشفقة والرحمة بالمؤمنين.
وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهم في سفر: «من كان معه
فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد؛ فليعد به على من لا زاد
له». قال: «فذكر من أصناف المال ما ذكر؛ حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل!». ويشير إلى هذا تشريع القرض والعارية والزكاة، وجميعه جارٍ على أصل مكارم الأخلاق. وأدخل من التسوية في مكارم الأخلاق استحباب الإيثار، كما حدث من المهاجرين مع أموالهم - بل وفي أزواجهم.، وهو قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: 9].
الأنصار في
وعلى هذا المبدأ الأخلاقي لا يبالي الذي يسوّي الناسَ بنفسه، أو يؤثرهم عليها بما يلحقه
من الضرر؛ لأنه لا يلحقه إلا بمقدار ما يلحق غيره، وهو قليل يهون تحمّله؛ ليدفع عن إخوانه
الضرر الكثير.
وهذه هي نظرة المؤمن الذي يعتبر المسلمين بنياناً واحداً يشد بعضه بعضاً، وجسداً واحداً، إذا تألّم عضو تألّم له سائل الأعضاء .. فإن الشد وتداعي الأعضاء في الجسم الواحد لا يكون إلا إذا اعتبر النفع الموجود لهم جميعاً، كما توزّع الوجبة من الطعام على سائر الجسد، كل عضو بما يستحقه. كما أنه لا يكون إلا بتحمّل الضرر القليل؛ لدفع الضرر عن باقي
الأعضاء،
ء، ولشد باقي اللبنات.
(1) كنز العمال: 38/ 1، برقم (96).
(2) البخاري: 880/ 2، برقم (2354). مسلم: 1944/ 4، برقم (2500). (3) مسلم: 1354/ 3، برقم (1728) مسند أبي يعلى: 326/ 2، برقم (1064).