النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٤٤844
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
قال الأستاذ أبو سُنّة: - والله أعلم - أنه يعني - أي: ابن عابدين - بهذا شهاب الدين القرافي المالكي، فإنه قال في «الفروق» في جواب قول الشافعي في ما إذا اختلف الزوجان في متاع البيت: إن القول لمن شهدت له البينة ما نصه: لنا قوله تعالى: {وَأُمُرُ بِالْعُرْفِ، فكل ما شهدت له العادة قُضي به لظاهر هذه الآية إلا أن يكون هناك بينة»، وقال: «وقد تابعه في هذا علاء الدين الطرابلسي صاحب معين الحكام فقال: الباب الثامن والعشرون في القضاء بالعرف والعادة، قال
تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، ثم قال: أقول: وهذا الاستدلال مبني على أن المراد بالعرف في الآية الكريمة عادات الناس وما جرى تعاملهم به، فحيث أمر الله نبيه بالأمر به دل ذلك على اعتباره في الشرع وإلا لما كان للأمر به فائدة.
وممن استدل بهذه الآية ابن عَطيَّة ذكره في شرح الكوكب المنير حيث قال الفُتُوحي: ومن أدلة الفقه أيضاً تحكيم العادة، وهو معنى قول الفقهاء: العادة مُحكّمة»؛ أي: معمول بها شرعاً لحديث موقوفِ على ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».
وقال ابن عَطيَّة في قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ: إن معنى العرف ما عرفه العلماء بأنه حَسَن، وأقرَّهم الشارع عليه وكل ما تكرر من لفظ المعروف في القرآن نحو قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]؛ فالمراد به ما يتعارفه الناس.
2 - ومن الأدلة على اعتبار العرف والعادة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنَكُمْ وَالَّذِينَ لم يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 58].
3
وجه الاستدلال: أن الأمر بالاستئذان وَرَدَ في الأوقات التي جرت العادة فليها بالابتذال ووضع الثياب، فابتُنِي الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه. ومن الأدلة على اعتبار العوائد والأعراف: أن الشريعة ردت كثيراً من الأحكام التي لم يَرِدْ فيها مقدار معيَّن إلى العرف تخفيفاً على الناس ومراعاة قدرهم من الوسع والإقتار. قال تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِيعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَنَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، فالله ردَّ مقدار المتعة والنفقة إلى العرف وما يناسب حال كل مكلف من الوسع والضيق، والله أعلم. ويجري مجرى هاتين الآيتين قول الرسول صلى الله عليه وسلملهند زوجة أبي سفيان: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» (1).
(1) متفق عليه.