النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٧٥

نظرية

د. محمود عبود هرموش

|

875

ليعلم البالغ من غيره، فعل ذلك أصحابه بإقرار منه ومن ذلك الحكم بالقيافة في عصر النبي

وعصر

خلفائه وهذا عمل بالقرائن

الأمثلة على ذلك من أمثلة العمل بالقرائن: دخل رجل على ابن عباس وقال له: هل للقاتل من توبة؟ فقال له: لا. ثم دخل عليه آخر فقال له: هل للقاتل من توبة؟ فقال: نعم. فتعجب الناس وسألوه عن ذلك فقال: أما الأول فقد رأيت الشر في عينيه فعلمت أنه يريد القتل فشددت عليه، بخلاف الثاني فإني رأيت أنه يسأل للعلم.

ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص للشاب في أن يقبل وهو صائم. ثم جاءه شيخ فقال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: «نعم»، فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد علمت نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه» (1).

ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله

ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». وعن عائشة قالت: قلتُ يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» (3).

فالحكم هنا تغيّر قرينة الحال، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم نزّل كل سائل على مقتضى حاله، وهذا من الاجتهاد في تحقيق المناط والأمثلة أكثر من أن تحصر.

4 - تغيّر الحكم بتغيّر العرف: يقول الإمام القرافي: (ومهما تجدّد في العرف فاقبله ومهما سقط فألحقه، ولا تجمد على السطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذه هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد العلماء المسلمين والسلف الماضين).

أمثلة على تغيّر الحكم بتغيّر العرف

أ - البيع بالمعاطاة: فقد اختلف الناس فيه بين مبيح وحاظر، وصفوة القول فيه إن العرف جرى بقبوله في المحقرات دون غيرها من الأشياء النفيسة، والعرف يتغيّر من عصر إلى عصر ومن

مصر إلى مصر في ذلك.

(1) رواه أحمد في مسند عمرو بن العاص.

(2) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب من قال: إن الإيمان هو العمل، (26)، 18/ 1.

(3) رواه البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، (1448)، 553/ 2. (4) الفروق للقرافي، 177/ 1.