النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٧٦876
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ب
صلى الله
ومن ذلك بيع بعض الربويات ببعض مثل بيع البر بالبر كيلاً من أن البر من الأشياء الربوية، بسبب أن العادة جرت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم أن بيع البر بالبر من الربويات التي يشترط فيها التماثل والتقابض، فلما أصبح الشعير والبر من الموزونات؛ فأجاز أبو يوسف بيع بعضها ببعض وزناً ولم يشترط التقابض. ومثل ذلك: الجوز والبيض كأن يباع وزناً؛ فعلى من يرى أن العلة هي كونها موزونة، أجاز بيعها ببعض من غير اشتراط التقابض لما تغير العرف فيها وصارت معدودة.
ومن ذلك أجر التبعات المترتبة على عقد المعاوضة المالية كأجرة السمسار، وكتابة الصك، وأجرة إخراج البضاعة من مستودعها، وأجرة كيلها ووزنها وحمولتها ونقلها وإنزالها، كل ذلك إن سكت عنه المتعاقدان فقد اعتبر فيه الفقهاء، العرف والعرف في مثل هذه التبعات يتغير من بلد إلى آخر؛ فلذلك قالوا إن ما يتوقف عليه تسليم الثمن فهو على المشتري، وما يتوقف عليه تسليم المبيع فهو على البائع لكن في الحقيقة فإن العرف هو المعول عليه قبل هذا الضابط وبعده. 5 - تغير الحكم بتغير المقاصد: قد يتغير الحكم بتغير مقصده وعلته. فمن ذلك مسألة التماثيل والصور، ذهب أهل العلم إلى تحريم اتخاذ الصور والتماثيل لما فيها من مضاهاة خلق الله تعالى؛ لحديث عائشة: «الذين يضاهون بخلق الله». وحديث أبي هريرة له: «ومن أظلم ممن يخلق كخلقي؛ فالمقصد من التحريم هو مضاهاة خلق الله. وذهب بعض أهل العلم كابن العربي إلى أن النهي عن التصوير هو أنه ذريعة لعبادة الأوثان والأصنام عن طريق الغلو في هذه الصور والتماثيل، أما من صنع الصور والتماثيل لغرض الامتهان والابتذال كلعب الأطفال والدمى التي لا يرقى إليها شك التعظيم؛ فهذه جائزة، وإنما جازت لتغير مقصد الفعل؛ لأنَّ المقاصد تغير أحكام الأفعال.
ومن ذلك: إسقاط الحد عن السارق أيام المجاعة في زمن عمر. يقول ابن القيم: «أسقط عمر بن الخطاب القطع عن السارق في عام المجاعة، فقد قال له: لا تقطع اليد في عذقٍ ولا في عام سنة. قال السعدي: سألتُ أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العذق النخلة، وعام السنة عام المجاعة» (4).
فالحامل على عدم قطع اليد هو المجاعة فتغيّر الحكم تبعاً لتغير المقصد.
(1) بتصرف من المدخل الفقهي العام للزرقا، 890/ 2.
(2) رواه مسلم في كتاب اللباس والزينة وتحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107).
(3) رواه البخاري في اللباس، باب نقض الصورة، رقم (5953).
(4) إعلام الموقعين لابن القيم، 13/ 3 - 14.