النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٧٧نظرية
د. محمود عبود هرموش
877
ومن ذلك: ما ورد بحرمة أكل الحمر الأهلية. وهي قد حرمت بعلة أن جائياً جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فنيت الحمر، فنيت الحمر. فأمر النبي أن ينادى بتحريمها لعلة خوف الفناء عليها، فإن كثرت حتى لم يخف الفناء عليها جاز أكلها)، هذا عند من يرى تحريمها لأجل هذه العلة.
ومن أصرح الأمثلة: ما ذكره الحافظ ابن حجر من أن رجلاً من الصحابة كان يصلي في قباء
فكان كلما قرأ سورة أتبعها بسورة الإخلاص {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد، فرفعوا أمره إلى النبي
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على هذا؟» قال: إنها صفة الرحمن وأنا أحبّها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة» (2). قال ابن حجر: قال ابن المنير: وفيه أن المقاصد تغيّر أحكام الفعل؛ فإنه لما ذكر مقصده من حبه لها ظهر حسن مقصده، فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك هجراً لغيرها من السور.
:
ومن خلال هذه الفروع التي ذكرتها على أسباب تغيّر الفتوى يتضح لنا أهمية هذه القاعدة في جميع المذاهب الفقهية.
6 ـ تغير الحكم باختلاف الأماكن: وقد فرَّع على هذا الأصل الإمام السالمي عندما تكلم عن حريم القبر، فذكر أقوال أهل العلم فقيل: إنه ثلاث أذرع. وقيل ذراعان. وقيل: ذراع. وقيل: مرجعه إلى نظر العدول حيث لا مضرة فيه على القبر، ثم قال: لكن اختلفت الأماكن فرأى بعضهم صلابتها محددة بالذراع، ورأى آخر توسطها فحدده بالذراعين ورأى آخر سهولتها فحدده بالثلاث (3).
ومثل لها ابن القيم: بترك الرسول صلى الله عليه وسلم إقامة الحد في الغزو حتى لا يفر المحدود إلى
المشركين.
ومن الأمثلة: اختلاف الأحكام في التشريع المدني عن التشريع المكي، وهذا هو اختلاف الأحكام باختلاف المكان.
الأصل
في
ومن ذلك اختلاف الحكم في دار الحرب عن دار الاسلام، وهو اختلاف باعتبار اختلاف المكان. ومن ذلك اختلاف الحكم في المساجد عنها في غيرها، فيحرم فيها حمل السلاح، وكذلك البيع والشراء، ونشد الضالة، واللبث فيها للجنب، والحائض، وكل ذلك باختلاف المكان، وبالله
المستعان.
(1) أحكام القرآن لابن العربي 292/ 2، دار الكتب العلمية.
(2) رواه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب الجمع بين السورتين في الركعة، (741)، 268/ 1.
(3) معارج الآمال، 259/ 4.