النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٨٧نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»
د. خالد بن محمد بابكر
887
فالشاطبي في تأصيله لنظرية المآلات، ينطلق من أساس متين وهو مراعاة الشارع للمقاصد، وبناؤه الأحكام عليها، ومن هنا وجب على المجتهد أثناء عملية الاجتهاد ملاحظة مآلات أفعال المكلفين ومراعاة نتائج تصرفاتهم؛ لأنَّ تلك المآلات معتبرة، بل إنّها هي متعلق الحكم، فهي مقصودة أثناء عملية الاجتهاد، فإن رأى المجتهد أنّ مآلات تلك الأفعال متفقة ومقاصد الشريعة الإسلامية أقرّ الفعل وحكم عليه بالجواز الشرعي، وإن رأى غير ذلك بأن كانت المآلات لا تتفق أو تناقض مقاصد الشريعة بأن كانت مفاسدها تساوي أو تزيد على مصالحها، منع العمل منها أو
أوقف العمل بعد الشروع.
لذلك يجب على المجتهد أن يكون دائماً حاضر الذهن، بعيد النظر متبصراً بالتوقعات لاحظاً للظروف والملابسات، فإن أحسّ أو توقع أنّ مآل الفعل يخرم الحكمة من تشريعه، أو يناقض مقاصده، استثنى لتلك المسألة حكماً خاصاً بها عن نظائرها.
هذا كله عندما يكون الفعل جارياً على أصله من المشروعية والجواز وأدى إلى مفاسد ومآلات ضررية، أما إذا كان الفعل في أصله ممنوعاً وغير جائز، ولكن لظروف يُعلم أنّه يؤدي إلى مآلات فيها من المصلحة ما يفوق المفسدة، فإنّ الحكم على الفعل دائماً يكون باعتبار تلك المآلات، فيكيف وصف الفعل ويحكم عليه بالجواز والمشروعية نظراً لتلك المآلات الموافقة لمقاصد الشارع كما قال الشاطبي: «فإنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل». ثمّ يقول موضّحاً أن المحافظة على مقصد الشارع مرهون بإعمال هذه القاعدة: «وقد يكون ـ أي الفعل - مشروعاً لمصلحة تنشأ عنه أو مفسده تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربّما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة، أو تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، فربّما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلّا أنّه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة» (2).
بعدم
من هنا تظهر أهمية الاجتهاد التنزيلي في أنّه لا يقل أهمية من الاجتهاد في الفهم والاستنباط؛ لأنَّ أهمية الاجتهاد تظهر في ما ينتجه ذلك الاجتهاد، من ثمرات على أرض الواقع، فهو اجتهاد يحقق مقاصد الشريعة وحكمتها التشريعية في جميع مناحي الحياة.
(1) الشاطبي: المرجع السابق، 331/ 2.
(2) الشاطبي: الموافقات، 195/ 4.