النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٨٨

888

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

لكل ذلك وجب على المجتهد أن يكون متبراً بشؤون الحياة وظروفها ـ خاصة الاستثنائية منها - عالماً بما يقوم عليه الناس من أوجه النشاط والعادات والأعراف)؛ لأنَّ كل ذلك له أثر كبير في الفتوى وإصدار الأحكام؛ لأنَّ تلك الأمور هي متعلق الحكم. حتى إذا لاحظ المجتهد ظهور تلك الظروف الاستثنائية في فعل المكلف أو قصده، أو العرف الذي وقع فيه، كيف الحكم بالنظر إليها؛ لأن وحدة مآل التطبيق في الأحكام تفترض التشابه في الظروف المؤثّرة فيستلزم من ذلك تباين الحكم مع تغيير الظروف، وإن لم نفعل وقعنا في التناقض بين الحكم والغاية من تشريعه (2)؛ لأنَّه كما تقرّر أنّ لكلّ حكم حكمته التشريعية وغايته التي شرع من أجلها وهي المقاصد، فالأحكام مغياة بتلك الغاية ومحددة بها ومقترنة بحكمتها التشريعية، ومن هنا لا يجوز بتر الحكم عن

هي

حكمته، أو أن يُقصد بالفعل غير ما شرع له من حِكَم وغايات. وإلا فإنّ ذلك الحكم سيكون مناقضاً للشريعة ولقصد الشارع من تشريعه، ونتيجة إهمال النظر إلى المآل تلك المناقضة. يقول الشاطبي: من ابتغى من التكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة ومن ناقض الشريعة فعمله في المناقضة باطل فما يؤدي إليها باطل» (3).

هذا المعنى من ملاحظة المآلات في الأفعال وتكييف الأحكام بناء عليها، تبعا لتأثير الواقع والظروف والأحكام هو الذي يُظهر واقعيّة الشريعة الإسلامية، وأنها ليست شريعة تسبح في فضاءات التجريد والمثالية، بل إنّها شريعة واقعية تهتم بكل ما يجري في الواقع من تغيرات وظروف)، ومن هنا كانت شريعة صالحة لكل زمان ومكان.

ويتفرع عن نظرية المآلات كثير من القواعد المقاصدية والفقهية لعلّ أهمها قاعدة: «الأمور بمقاصدها وسنتناولها بشيء من الدراسة.

قاعدة: «الأمور بمقاصدها»

من أهم القواعد الفقهية المتفرعة عن نظرية المآلات هذه القاعدة «الأمور بمقاصدها»؛ ذلك أن للمقاصد والنيات أهم الأثر وبالغ الاعتبار في الأفعال، وما تنتج تلك الأفعال من مآلات في الواقع. وهذه القاعدة هي قاعدة فقهية بالنظر إلى علاقتها بالجزئيات الفقهية وهي كذلك قاعدة

مقاصدية لصلتها الوثقى بالمقاصد.

(1) الشاطبي:: المرجع السابق نفسه.

(2) فتحي الدريني: المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، ص 5. (3) الشاطبي: الموافقات، 195/ 4.

(4) الدريني: التعسف في استعمال الحق، ص 12.