النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٨٨٩نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»
د. خالد بن محمد بابكر
889
ومعنى هذه القاعدة: أنّ الأعمال مرتبطة بالنيات ومعتبرة بها، فالنية أو القصد أو الباعث هو الميزان الذي توزن به الأعمال وسائر التصرفات، وهو المرجع في قبول الأعمال أو رفضها والحكم عليها من حيث الحل والحرمة ديانة، ومن حيث الصحة والبطلان قضاء، وأصل هذه القاعدة: هو قول المصطفى: الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ، وَلِكُلٍّ امرئ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهَجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهَجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». فالحديث يبيّن أن تصرفات المكلف وأعماله تختلف أحكامها ونتائجها، بحسب نية صاحبه من تلك الأعمال وذلك من حيث الثواب الأخروي والحكم الدنيوي القضائي. فإن وافق الفعل في القصد ما أراد الله من إخلاص (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5) كان القبول والثواب والأجر من الله وإن لم يوافق الفعل في النية ما أراد الله بأن أشرك بعمله غيره ل كان عمله هباء ووزراً قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءَ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
والعمل أو التصرف يحكم عليه كذلك قضاء، صحة أو بطلاناً بحس بحسب قصد صاحبه. فإن وافق في قصده حكمة الشارع كان حكمه الصحة. أما إن خالف المكلّف في قصده الحكمة وناقض الشارع في مقاصده، بأن أراد من الفعل أموراً لم تشرع وقع ذلك العمل باطلاً قضاء، عند من يقول بتأثير الباعث غير المشروع في الحكم على الأفعال.
فهذه القاعدة الفقهية خادمة لمقاصد الشريعة وهي الحارس عليها قبل إنشاء التصرف، حتى لا يتخذ المكلّف من أحكام الشريعة وسائل للوصول إلى أمور محرمة ومآلات ضررية؛ ولأنه إن لم يراع هذا الجانب من المقاصد أضحت أحكام الله وشرعه قوانين شكلية، ما أيسر على المكلف أن يتخلص منها بأية حيله طالما أنّه قد أتى بكل الأمور الشكلية الظاهرة المطلوبة من ذلك الفعل أو التصرف.
ولأهمية هذه القاعدة وتحكيمها في كثير من أبواب الفقه، دعا بعض العلماء أن يجعل الحديث الذي تناول هذه القاعدة: (إنما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى» على رأس كل باب من أبواب الفقه. وهذا ما دفع البخاري أن يضع حديث إنما الأعمال بالنيات» لمواضيع متعددة، وقد جعل باباً عنوانه بَاب مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئَ مَا نَوَى،
(1) متفق عليه. البخاري الصحيح، كتاب الإيمان، باب مَا جَاءَ إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئُ مَا نَوَى، رقم 54، 30/ 1. مسلم: الصحيح، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، رقم 1907،
1515/ 3
(2) خالد بابكر: الباعث وأثره في العقود والتصرفات رسالة ماجستير غير منشورة قسم الفقه وأصوله، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة، 1994.