النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٩١

نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»

د. خالد بن محمد بابكر

891

في

فالبواعث وإن كانت أمراً نفسياً ذاتياً خفياً، لكنها عند مباشرة الفعل تصبح واقعاً مجسّداً الوجود الخارجي، في حال كونها مناقضة لمقاصد الشارع ومبترة للحكمة والمصلحة الشرعية التي شرع الحكم من أجلها.

أمثلة للقاعدة:

قصد

العقود شرعت لتحقيق مصالح العباد في تلبية حاجاتهم، وتبادل المنافع والأعيان فالبيع عقد مشروع من أجل تلك المصالح. فإذا أتى المكلف بهذا العقد بكامل شروطه وأركانه، ولكنه به أمراً غير مشروع بأن أراد أن يحصل به على الربا المحرم بالتحايل بعقد البيع عن طريق بيع العينة (وهي أن يبيع شخص لآخر سلعة بثمن إلى أجل ثم يشريها منه نقداً بأقل مما باعها فالعقد متوفر على جميع شروطه، لكن وجود الباعث غير المشروع أخل بالحكمة التشريعية وبمقاصد الشارع في تشريعية لعقد البيع.

ومثال ذلك أيضاً في عصرنا أن يبيع التاجر العطور المحتوية على الكحول للشباب والمراهقين، وهو يعلم أنهم ما يشترونها إلا لاستهلاكها وشربها، فبيع العطر المحتوي على الكحول صحيح، ولكن وجود القصد السيئ والباعث غير المشروع يخل بحكمة مشروعية البيع.

أدلة القاعدة:

لقد استشهد الشاطبي على صحة هذه القاعدة: بأدلة كثيرة منها:

(1)

أولا:: وضع الشريعة: وهذا الدليل طالما استعمله الشاطبي للتدليل على القواعد المقاصدية المبثوثة في كتابه الموافقات، ومفاده قيام الشريعة الإسلامية على أساس من جلب المصالح ودفع المفاسد، فإذا كانت الشريعة وبأدلة تبلغ القطع مبنية على قاعدة المصالح، وأنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، فواجب على المكلف الإتيان بأمرين: الأول: أن تلك المقاصد أفعاله، بأن لا يكون الفعل مخالفاً لتلك المقاصد، أو خال منها.

والثاني:

يجري

أن يكون

في

قصده أثناء مباشرته للأحكام، منسجماً مع تلك المصالح، وإن لم يفعل ذلك كان مناقضاً بذلك مقاصد الشارع، فالمناقضة تظهر في أحد الأمرين: إما بإتيان الفعل على غير ما قصد منه، أو القصد بالفعل المشروع ما لم يقصد منه، يقول الشاطبي في ذلك: «والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع».

(1) الشاطبي: الموافقات، 331/ 2. (2) الشاطبي: الموافقات، 332/ 2