النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٩٢

892

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ثانياً مهمة المكلف في هذه الدنيا هي عبادة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ليَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وهذه المهمة تستوجب من المكلف أن يكون عمله متوفراً على عنصرين: الأول أن يكون العمل موافقاً لقصد الشارع من وضع الشريعة، وهو ما يسميه الفقهاء الصواب والثاني أن يكون قصده موافقاً لقصد الشارع في تشريعه الأحكام، وهو ما يطلق عليه الفقهاء بالإخلاص، وثمرة العمل من الجزاء الأخروي والصحة القضائية لا تكون إلا بالإتيان بالشرطين معاً.

•

يقول الشاطبي في ذلك: «ولأنّ المكلف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد من وضع الشريعة … فلا بد أن تكون مطلوباً بالقصد إلى ذلك، وإلا لم يكن عاملاً على المحافظة؛ لأنَّ الأعمال بالنيات».

ثالثاً: إن الإنسان مستخلف في هذه الأرض، ومحاسب أمام الله على أدائه لهذه الخلافة، ومن شروط الخلافة حتى تحقق غاياتها المرجوة، أن يكون فعل المكلف وقصده تابع لقصد الشارع في تشريعه للأحكام وإن لم يفعل ذلك لم يقم بما كُلّف به من مهمة الخلافة، يقول الشاطبي: وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ووسعه وأقل ذلك خلافته على نفسه ثم على أهله ثم على من تعلّقت به مصلحة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .... وفي القرآن قال الله تعالى: ﴿امِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: (7)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فإذا كان ذلك فالمطلوب منه أن تكون قائماً مقام من استخلفه، يجري أحكامه ومقاصده مجاريها» (3).

صلے

القاعدة الثانية: «المقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات (4) هذه القاعدة: تأكيد لقاعدة الأمور بمقاصدها، وأن البواعث لها تأثير في الحكم على التصرف أو الفعل بالصحة أو البطلان وبالتحريم أو التحليل، فإن كان الفعل يحمل نيات غير مشروعة حكم

(1) الشاطبي: المرجع السابق نفسه الكيلاني: قواعد المقاصد، ص 388.

(2) متفق عليه البخاري الصحيح، كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن رقم 853، 304/ 1. مسلم: الصحيح، كتاب الإمارة، باب فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَقِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ، رقم 1829،

1459/ 3

(3) الشاطبي: الموافقات، 332/ 2.

(4) الشاطبي: الموافقات 323/ 2. ابن تيمية: بيان الدليل، 94.