النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٨٩٥

نظرية المآلات: «قاعدة الأمور بمقاصدها»

د. خالد بن محمد بابكر

895

أولاً: الحيل:

لقد نشأ في الواقع الإسلامي بعد القرنين الأولين، فقه يسمى بفقه المخارج والحيل. نشأ هذا الفقه إثر مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية، التي طرأت على المجتمع الإسلامي، وقد نما هذا الفقه في العراق، إذ كان بعض الفقهاء يبحثون للمكلّف عن بعض المخارج والحيل، حتى يجدوا له مخرجاً من وضعية حرجة يقع فيها.

يذكر ابن تيمية: إن هذا الفقه ظهر متأخراً في زمن التابعين حيث يقول: «إنّ هذه الحيل أول ما ظهر الإفتاء بها في آخر عصر التابعين»).

زيد ومالك وسفيان بن عيينة وغيرهم.

(3)

،

(2)

وقد أشار ابن تيمية إلى إنكار فقهاء ذلك العصر لتلك الحيل والمخارج، ومن هؤلاء حماد بن وقد نُسِب إلى الفقه الحنفي وإلى إمام المذهب أبي حنيفة ولا يرى الباحث أن أبا حنيفة مع عظم شأنه وغزارة علمه، يستعمل الحيل المناقضة لأصول الشريعة ومقاصدها، بل هي مخارج ضمن الوسائل الجائزة الموافقة لمقاصد الشريعة، وهي تدل على شدة ذكائه وعُمق تفكيره في استنباط الأحكام.

النعمان كثير من الحيل

والحقيقة التي لا مناص منها هي أن ظهور فقه الحيل، وإن كان في نطاق ضيق ـ حتى لا نظلم الفقه الحنفي - إنّما هو عائد إلى التركيز على الجانب الشكلي في علاقة الأحكام بموضوعاتها، بدل الجانب الواقعي الذي ينطلق من مقاصد الشريعة الإسلامية، حتى أدى اعتماد الشكل على حساب المضمون إلى التحايل على مقاصد الشريعة ذاتها، بحيل تُحاول إيجاد حل ومخرج للمكلف الذي لم يراع الأحكام حق رعايتها. يظهر ذلك جلياً في تجويز بعض الفقهاء لنكاح التحليل حتى صرّح بعضهم أن المحلّل مأجور على ذلك.

وهذا كله ناتج عن عزلة الفقه عن الحياة، فليس للفقيه من دور إلّا محاولة المحافظة في الأحكام على الرسوم والأشكال الظاهرة، حتى أضحى الفقه في حياة المسلمين بمثابة القانون الذي يُحرص فيه على الشكل والمظهر فقط

(4)

(1) ابن تيمية بيان الدليل، ص 126 (2) ابن تيمية المرجع السابق نفسه.

محمد

خضري بك: تاريخ التشريع الإسلامي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1408 هـ، ص 280 محمد إبراهيم: الحيل الفقهية في المعاملات المالية، ط 1، الدار العربية للكتاب، 1983، ص 33 صالح بوبشيش الحيل الفقهية؛ ضوابطها وتطبيقاتها على الأحوال الشخصية، منشورات جامعة باتنة، الجزائر، ص 37.

(4) محاورات مع جملة من الأساتذة في موضوع مقاصد الشريعة، تحرير وحوار عبد الجبار الرفاعي أحمد الريسوني، ص 209 وما بعدها. طه جابر العلواني، ص 89 وما بعدها. محمد حسين فضل الله، ص 53.